في خطوة تنظيمية استثنائية تراعي خصوصية الظرف الوطني، وجهت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مذكرة رسمية إلى مديرات ومديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، تقضي بتأجيل مواعيد إجراء الامتحان الموحد المحلي وفروض المراقبة المستمرة الخاصة بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، برسم الأسدوس الأول من الموسم الدراسي 2025-2026. قرار يأتي في سياق وطني خاص، تزامناً مع حدث رياضي كبير يحظى باهتمام شعبي واسع، ويتعلق بالمباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا 2025، التي من المرتقب أن يخوضها المنتخب الوطني المغربي يوم 18 يناير 2026.
وحسب ما ورد في المذكرة الوزارية، التي اطلعت عليها الجريدة ، فإن هذا الإجراء يندرج ضمن مقاربة شمولية تعتمدها الوزارة لضمان مرور مختلف الاستحقاقات التقويمية في ظروف تربوية ونفسية ملائمة، تسمح للتلميذات والتلاميذ بخوض امتحاناتهم في أجواء طبيعية، بعيدة عن أي ضغط أو تشويش قد يؤثر سلباً على تركيزهم أو مردودهم الدراسي.
وأكدت الوزارة، في مضمون المذكرة، أن البرمجة الزمنية السابقة للامتحانات، خاصة الامتحان الموحد المحلي وفروض المراقبة المستمرة، كانت تتزامن مع فترة تعرف تعبئة جماهيرية غير مسبوقة، بالنظر إلى وصول المنتخب الوطني المغربي إلى المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا، وهو حدث وطني بامتياز يتجاوز في رمزيته البعد الرياضي، ليصبح مناسبة جامعة تخلق حالة من الحماس والانخراط الوجداني لدى مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك التلاميذ وأسرهم.
واعتبرت الوزارة أن الإبقاء على مواعيد الامتحانات في نفس توقيت هذا الحدث الرياضي البارز، قد يؤثر بشكل مباشر على السير العادي للعمليات التقويمية داخل المؤسسات التعليمية، سواء من حيث الحضور الذهني للتلاميذ، أو من حيث الأجواء العامة التي تطبع الفضاء المدرسي خلال تلك الفترة. كما أشارت إلى أن مثل هذه التظاهرات الكبرى غالباً ما تكون موضوع متابعة جماعية داخل الأسر، ما يجعل من الصعب الفصل بين الالتزامات الدراسية والاهتمام بالحدث الرياضي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، وحرصاً على التوفيق بين متطلبات التحصيل الدراسي واحترام الوجدان الجماعي للتلميذات والتلاميذ، قررت الوزارة تأجيل إجراء الامتحانين الموحدين المحليين ليومي 20 و21 يناير 2026، بدل 19 و20 يناير 2026 كما كان مقرراً في البرمجة الأصلية. كما نصت المذكرة على ضرورة إعادة جدولة فروض المراقبة المستمرة بما يتلاءم مع التواريخ الجديدة، مع التأكيد على احترام الزمن المدرسي وضمان استكمال جميع المحطات التقويمية في إطار من الانضباط والتنظيم.
وشددت الوزارة على أن هذا القرار لا ينبغي أن يُفهم على أنه مساس بجوهر التقويم أو تراجع عن الأهداف التربوية المسطرة، بل هو إجراء ظرفي يهدف إلى خلق توازن بين الزمن الدراسي والزمن المجتمعي، في ظل حدث وطني استثنائي. كما دعت مديرات ومديري الأكاديميات الجهوية إلى مواكبة هذا القرار عبر التنسيق مع المديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، وضمان تبليغه في الوقت المناسب إلى الأطر التربوية والإدارية، وكذا إلى التلميذات والتلاميذ وأولياء أمورهم.
وفي السياق نفسه، أكدت الوزارة على ضرورة اتخاذ جميع التدابير التنظيمية الكفيلة بإنجاح هذا التأجيل، بما في ذلك تحيين جداول الامتحانات، وضمان جاهزية الأطر المشرفة على عمليات التقويم، واحترام مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، بغض النظر عن المؤسسات أو الأقاليم التي ينتمون إليها. كما شددت على أهمية الحفاظ على مصداقية الامتحانات وجودة التقويم، باعتبارها مكونات أساسية في المسار الدراسي للتلميذ.
ويأتي هذا القرار ليعكس، بحسب متابعين للشأن التربوي، نوعاً من المرونة التي باتت تعتمدها وزارة التربية الوطنية في تعاطيها مع المستجدات الوطنية الكبرى، سواء كانت ذات طابع اجتماعي أو رياضي أو ظرفي، مع الحرص على ألا يكون ذلك على حساب جودة التعلمات أو انتظام الدراسة. كما اعتبر عدد من الفاعلين التربويين أن هذا الإجراء من شأنه أن يخفف الضغط النفسي عن التلاميذ، خاصة في ظل تزامن الامتحانات مع حدث قد يشكل مصدر تشويش وقلق بالنسبة لهم.
من جهة أخرى، لقي القرار ارتياحاً واسعاً لدى عدد من الأسر، التي رأت فيه خطوة إيجابية تراعي مصلحة أبنائها، وتجنبهم الاضطرار إلى الاختيار بين متابعة حدث وطني يهمهم وبين الالتزام باستحقاقات دراسية مصيرية. كما اعتبر البعض أن مثل هذه القرارات تعزز الإحساس بأن المدرسة جزء من المجتمع، وتتفاعل مع نبضه وتطلعاته، بدل أن تظل معزولة عن محيطها.
وفي المقابل، شدد مختصون في المجال التربوي على أهمية استثمار هذا التأجيل بشكل إيجابي، من خلال تمكين التلاميذ من استغلال الأيام الإضافية في المراجعة والتحضير الجيد للامتحانات، وعدم اعتبار التأجيل فرصة للتراخي أو فقدان الإيقاع الدراسي. كما دعوا الأطر التربوية إلى مواكبة التلاميذ خلال هذه الفترة، وتقديم الدعم اللازم لهم، خاصة في المواد الأساسية.
وبين متطلبات المدرسة وإكراهات الظرف الوطني، يبرز هذا القرار كترجمة لسياسة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الانضباط التربوي والمرونة التنظيمية، في أفق ضمان مصلحة المتعلم أولاً وأخيراً. كما يعكس وعياً بأهمية العامل النفسي والاجتماعي في العملية التعليمية، خاصة في محطات التقويم التي تشكل عنصراً حاسماً في المسار الدراسي للتلميذات والتلاميذ.
وفي انتظار تنزيل هذا القرار على أرض الواقع، تبقى مسؤولية جميع المتدخلين، من إدارات تربوية وأطر تعليمية وأسر، مشتركة في إنجاح هذه المحطة، وضمان أن يمر الأسدوس الأول من الموسم الدراسي 2025-2026 في ظروف جيدة، تجمع بين الجد والاجتهاد الدراسي، والانخراط الإيجابي في لحظة وطنية جامعة، عنوانها تشجيع المنتخب الوطني المغربي في محطة قارية مفصلية.