شهدت الندوة الصحفية التي عقدها مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، صباح اليوم الجمعة بمدينة الدار البيضاء، أجواء متوترة وغير مسبوقة، وذلك قبل المواجهة المرتقبة بين منتخبي مصر ونيجيريا، برسم مباراة تحديد المركز الثالث ضمن منافسات كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025”، المقررة يوم غد السبت. ندوة كان من المفترض أن تشكل محطة تواصلية هادئة لتقييم مسار “الفراعنة” في البطولة، غير أنها تحولت إلى ساحة شد وجذب، طغت عليها نبرة التوتر والاتهامات المتبادلة، وابتعدت بشكل واضح عن روح النقاش الرياضي المهني.
فمنذ الدقائق الأولى لانطلاق الندوة، بدا واضحاً أن مدرب المنتخب المصري غير مستعد للدخول في نقاش مباشر حول الإقصاء أمام منتخب السنغال في نصف النهائي، خاصة بعد توجيه عدد من الصحفيين المغاربة أسئلة وُصفت بالمحرجة، همّت بالأساس التبريرات التي سبق لحسام حسن أن قدمها عقب الهزيمة، والتي أرجع فيها الخروج من المنافسة إلى عوامل خارج المستطيل الأخضر، من بينها نقصان يوم راحة مقارنة بالمنتخب السنغالي، وظروف السفر، وجودة الإقامة في الفندق، بل وذهب إلى حد التلميح إلى ما سماه “عدم رغبة بعض الجهات في تتويج مصر باللقب”.
هذه الأسئلة، التي اعتبرها الصحفيون المغاربة مشروعة وتندرج ضمن العمل الصحفي النقدي، قوبلت برفض قاطع من المدرب المصري، الذي اختار تفادي الإجابة عنها بشكل مباشر، مفضلاً الهروب إلى الأمام عبر مهاجمة الصحفيين، واتهامهم بطرح أسئلة “غير محترمة” و”غير لبقة”، في موقف أثار استغراب الحاضرين، وطرح علامات استفهام حول مدى تقبل الجهاز التقني المصري للنقد الإعلامي.
ولم يكتف حسام حسن برفض الإجابة، بل لجأ إلى أسلوب السخرية، مدعياً في أكثر من مناسبة أنه لا يفهم اللغة التي يُطرح بها السؤال، رغم أن الأسئلة قُدمت باللغة العربية الفصحى، وبشكل واضح ومباشر. هذا التصرف اعتبره عدد من المتابعين محاولة مكشوفة للتهرب من النقاش، وتحويل الأنظار عن جوهر الموضوع، والمتمثل في الأداء المتذبذب للمنتخب المصري في المراحل الحاسمة من البطولة.
وتعقدت الأمور أكثر مع تدخل إبراهيم حسن، شقيق المدرب ومدير المنتخب، الذي اختار بدوره أسلوباً هجومياً في تعاطيه مع الصحفيين المغاربة، حيث وجه لهم عبارة مستفزة بقوله: “أنتم لم تفوزوا بالبطولة منذ خمسين سنة”، في تصريح خرج عن السياق الرياضي، وأثار موجة استياء واسعة داخل قاعة الندوة. هذا الكلام اعتُبر من طرف عدد من الإعلاميين إساءة غير مبررة، ومحاولة لتحويل النقاش من تقييم أداء المنتخب المصري إلى مقارنات تاريخية لا تخدم لا صورة البطولة ولا صورة المنتخب المصري.
الأجواء المشحونة داخل الندوة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ شهدت القاعة انسحاب عدد من الصحفيين المصريين أنفسهم، في خطوة احتجاجية على ما وصفوه بالهجوم غير المبرر الذي تعرض له مدرب منتخب بلادهم، وكذلك بسبب عدم تمكينهم من حق الرد أو التعقيب على الأسئلة المطروحة من طرف الصحفيين المغاربة. هذا الانسحاب عكس حالة من الارتباك داخل المعسكر الإعلامي المصري، وأظهر أن التوتر لم يكن محصوراً فقط في العلاقة مع الصحافة المغربية، بل امتد ليشمل العلاقة بين الجهاز التقني وبعض ممثلي الإعلام المصري.
ويرى متابعون أن ما حدث في هذه الندوة يعكس، إلى حد كبير، حجم الضغط الذي يعيشه الجهاز التقني للمنتخب المصري، بعد الفشل في بلوغ المباراة النهائية، في بطولة كانت الجماهير المصرية تعلق عليها آمالاً كبيرة، خاصة في ظل التاريخ القاري الحافل للمنتخب، وكونه الأكثر تتويجاً باللقب الإفريقي. غير أن هذا الضغط، بحسب نفس المتابعين، لا يبرر بأي حال من الأحوال الانزلاق إلى مهاجمة الصحفيين، أو التشكيك في نواياهم، أو التقليل من قيمة الإعلام ودوره الرقابي.
كما اعتبر عدد من الصحفيين أن تحويل أسباب الإقصاء إلى عوامل تنظيمية أو “مؤامرات” خارجية، بدل الاعتراف بالأخطاء التقنية والتكتيكية، يسيء لصورة المنتخب المصري، ويُفقد الخطاب الرياضي مصداقيته، خاصة وأن منتخبات أخرى شاركت في نفس البطولة وخاضت نفس الظروف، دون أن تجعل منها شماعة لتبرير الإخفاق.
في المقابل، شدد إعلاميون مغاربة على أن الأسئلة التي طُرحت خلال الندوة لم تخرج عن الإطار المهني، وتهدف إلى توضيح التصريحات السابقة للمدرب المصري، خاصة بعدما أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضية والإعلامية. وأكدوا أن النقد الرياضي جزء لا يتجزأ من العمل الصحفي، ولا يمكن اعتباره إساءة أو قلة احترام، ما دام يُطرح بأسلوب مهني ومنضبط.
وتأتي هذه الواقعة لتسلط الضوء من جديد على إشكالية علاقة بعض المدربين والمسؤولين الرياضيين بالإعلام، وحدود تقبلهم للنقد، خاصة في لحظات الفشل أو الإقصاء. كما تطرح تساؤلات حول مدى جاهزية الأطر التقنية للتعامل مع الضغط الإعلامي المصاحب للتظاهرات الكبرى، وضرورة التمييز بين النقد الموضوعي والهجوم الشخصي.
وبينما يستعد المنتخب المصري لمواجهة منتخب نيجيريا في مباراة تحديد المركز الثالث، يبقى السؤال المطروح: هل سينجح “الفراعنة” في طي صفحة التوتر والتركيز على إنهاء البطولة بنتيجة إيجابية؟ أم أن تداعيات هذه الندوة ستلقي بظلالها على الأداء داخل الملعب؟ في جميع الأحوال، تبقى مثل هذه الأحداث درساً إضافياً في أهمية التواصل المسؤول، واحترام دور الإعلام، باعتباره شريكاً أساسياً في إنجاح التظاهرات الرياضية الكبرى، وليس خصماً يجب مهاجمته أو التشكيك في نواياه.