فضيحة الدراسات “الوهمية” تزلزل جماعات محلية: ملفات ساخنة على طاولة الداخلية وتحقيقات تُنبش من الأرشيف
تشهد الساحة الترابية بالمغرب تطورات مثيرة تُنذر بكشف واحدة من أوسع شبكات تبديد المال العام تحت غطاء ما بات يُعرف بـ”الدراسات الوهمية”، التي أنجزتها مكاتب استشارة تقنية بتكلفة خيالية بلغت مليارات السنتيمات، دون أثر حقيقي لها على أرض الواقع. هذه الممارسات، التي كانت تجري لسنوات في الخفاء، بدأت اليوم تخرج إلى العلن، مدفوعة بتقارير رقابية وتحقيقات قضائية، أبرزها القضية التي أدين فيها رئيس جماعة سابق بثماني سنوات سجناً، وشكلت شرارة أولى لتحقيقات قد تطال مدناً ومجالس إقليمية وجماعية أخرى.
ووفق ما كشفته يومية “الصباح”، فإن وزارة الداخلية، بقيادة عبد الوافي لفتيت، باشرت فتح ملفات فساد ثقيلة بخصوص دراسات مشبوهة شملت جماعات ترابية في أقاليم أزيلال، الخميسات، القنيطرة، والفقيه بن صالح، من خلال تكليف المفتشية العامة للإدارة الترابية، التي يرأسها الوالي محمد فوزي، بإعادة فتح ملفات سبق التحقيق فيها أو إخراج أخرى من رفوف الأرشيف.
دراسات بدون مشاريع: عندما تُهدر الملايير في “الفراغ”
على امتداد السنوات الماضية، اعتادت جماعات ترابية عديدة التعاقد مع مكاتب دراسات تقنية وهندسية، تحت ذريعة إنجاز تصاميم أو تصورات لمشاريع تنموية أو بنى تحتية. غير أن التحقيقات أثبتت أن عدداً كبيراً من هذه الدراسات لم تُفعّل على أرض الواقع، بل ظلت حبيسة الرفوف، في وقت استنزفت فيه ملايين الدراهم من ميزانيات الجماعات.
الأنكى من ذلك، أن بعض الجماعات كانت تُعيد التعاقد مع نفس المكتب أو مكاتب مرتبطة به، في مشاريع مختلفة شكلاً لكنها متطابقة مضموناً، ما يُعزز فرضية وجود تحالفات خفية بين منتخبين ومسيري هذه المكاتب لتفويت صفقات وهمية مقابل عمولات أو مصالح مشتركة.
اعتقال صاحب مكتب دراسات.. والعدالة تتحرك
أحد أبرز الأسماء التي تم تداولها في هذا السياق، هو صاحب مكتب دراسات يوجد حالياً في حالة اعتقال، بعد صدور حكم قضائي في ملف فساد جماعي شهير انتهى بإدانة رئيس جماعة سابق بثماني سنوات سجناً نافذاً، على خلفية صفقات دراسات أنجزت شكلياً دون جدوى فعلية.
هذه السابقة القضائية دفعت بوزارة الداخلية إلى توسيع دائرة البحث، حيث تم التوصل إلى معطيات تفيد بوجود نفس الممارسات في جماعات أخرى، بعضها جرى التحقيق فيه سابقاً، بينما تم تجميد ملفات أخرى دون تبريرات واضحة، ما استدعى تدخل الوالي محمد فوزي لإعادة تحريكها.
المفتشية العامة تدخل على الخط.. وتحقيقات قد تعصف برؤوس كبيرة
بتعليمات من وزير الداخلية، باشرت المفتشية العامة للإدارة الترابية فتح ملفات متفرقة مرتبطة بهذه الفضيحة، سواء من خلال إعادة التحقيقات التي سبق مباشرتها في فترات سابقة، أو من خلال فتح ملفات جديدة بناءً على تقارير رقابية محلية وشكايات فاعلين مدنيين.
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى الخميسات وأزيلال والفقيه بن صالح والقنيطرة، حيث يُشتبه في تورط منتخبين ومسؤولين إداريين في صرف مبالغ ضخمة على دراسات ظلت حبيسة الأدراج، دون أن تُفضي إلى أي مشروع تنموي حقيقي. وتشير المصادر إلى أن المفتشية بدأت في استدعاء موظفين وتقنيين ومستشارين، في سياق تجميع المعطيات وتحديد المسؤوليات.
الغلاف المالي: الملايير المهدورة بلا فائدة
بحسب التقديرات الأولية، فإن كلفة الدراسات التي يجري التحقيق بشأنها تُقدّر بمئات الملايين من الدراهم، إن لم نقل مليارات، خُصصت من الميزانيات السنوية للجماعات أو من اعتمادات صندوق التجهيز الجماعي أو وزارة الداخلية. وتُظهر الوثائق أن جماعات كثيرة كانت تُدرج بند “الدراسات التقنية” ضمن أولويات ميزانياتها، رغم غياب الشروط الواقعية لتنزيل تلك الدراسات على الأرض.
وفي الوقت الذي تعاني فيه جماعات قروية كثيرة من غياب البنية التحتية والماء الصالح للشرب والطرقات والمدارس، يُطرح سؤال مُلح: كيف يُبرَّر إنفاق ملايين الدراهم على وثائق لا تخرج من المكاتب؟
البُعد الجنائي: هل نحن أمام جريمة تبديد المال العام؟
وفقاً للمادة 241 من القانون الجنائي المغربي، فإن أي موظف عمومي يساهم، عن علم، في صرف أموال عمومية بشكل غير قانوني يُعاقب بتهمة تبديد المال العام. ومع ثبوت أن عدداً من الدراسات “الوهمية” أنجزت دون حاجة حقيقية، أو في غياب الشروط القانونية، يُمكن للقضاء أن يعتبرها جزءاً من مخطط ممنهج لنهب المال العام، بالتواطؤ بين مكاتب دراسات ومنتخبين.
كما أن منح صفقات دراسات بطريقة مباشرة أو بدون طلب عروض مفتوح، يُشكّل بدوره خرقاً لقانون الصفقات العمومية، ما يزيد من ثقل التهم المحتملة.
دراسات “نسخ-لصق”.. النموذج المفضوح
من أبرز الوقائع التي رصدها المحققون، وجود تشابه كبير بين دراسات أنجزت في جماعات مختلفة، مع فارق بسيط في الأسماء والمواقع، ما يُرجح فرضية “نسخ-لصق” اعتمدها بعض مكاتب الدراسات لتسريع تسليم الملفات والحصول على مستحقاتهم دون جهد يُذكر. وقد عُثر في بعض الحالات على تصاميم لمشاريع لم تُحدَّد مواقعها أصلاً، أو لا تتوفر على أدنى شروط التنفيذ على الأرض، ما يعكس عبثاً مؤسسياً خطيراً.
من يتحمل المسؤولية السياسية؟
الفضيحة تطرح كذلك تساؤلات حول المسؤولية السياسية للوزراء السابقين والولاة والعمال الذين تعاقبوا على المناطق المعنية، خاصة أن أغلب الصفقات كانت تمرّ بموافقة سلطات المراقبة، التي تُفترض فيها متابعة وحكامة المصادقة على الميزانيات والصفقات.
وتنادي فعاليات مدنية بضرورة توسيع التحقيق ليشمل مسؤولي الأقسام التقنية والمالية بالجماعات، وكذا أعضاء اللجان التي تُشرف على تمرير هذه الدراسات، باعتبارهم شركاء مباشرين في اتخاذ القرار.
نحو تخليق الحياة العامة: هل تعيد الداخلية الثقة في المؤسسات؟
تحرك وزارة الداخلية في هذا التوقيت يُعتبر مؤشراً قوياً على رغبة الدولة في تخليق الحياة العامة ومحاصرة بؤر الفساد المحلي، خاصة بعد تصاعد الأصوات التي تنتقد ضعف المحاسبة رغم التوجيهات الملكية الصارمة بشأن ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يُنتظر أن يكون لهذه التحقيقات تأثير ردعي كبير على باقي الجماعات الترابية، التي ظلت تتعامل مع بند “الدراسات” كأداة لتصريف الفائض المالي أو ترتيب علاقات زبونية مع مكاتب مقربة من رؤساء الجماعات.
خلاصة: الفضيحة أكبر من مجرد دراسات
قضية الدراسات الوهمية ليست مجرد انحراف إداري، بل تُعبّر عن أزمة بنيوية في تدبير الشأن المحلي، وتكشف هشاشة منظومة الرقابة والمحاسبة في الجماعات الترابية. ومع دخول المفتشية العامة على الخط، وفتح ملفات أُعيدت من الأرشيف، يُتوقع أن تكون الشهور المقبلة حاسمة في كشف الحقائق، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة الفاسدين مهما كانت مناصبهم.