فوضى شرائح الاتصالات بالمغرب.. تهديد أمني يتفاقم في ظل ضعف الرقابة
في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها المغرب، يبرز قطاع الاتصالات كأحد المحاور الحيوية في تعزيز التنمية وتسهيل التواصل، إلا أن هذا القطاع بات يعيش في الآونة الأخيرة حالة من الفوضى والانفلات، خاصة في الشق المرتبط بتوزيع شرائح الاتصال (بطائق SIM)، حيث تحولت إلى معضلة حقيقية تهدد الأمن الرقمي والاجتماعي بالبلاد، في ظل غياب تفعيل صارم للضوابط القانونية والتنظيمية.
شرائح اتصال بأثمان بخسة.. المدخل السهل للجرائم
لم يعد من الصعب في المغرب الحصول على شريحة هاتفية جديدة، إذ يمكن لأي شخص اقتناء بطائق الاتصال في الأسواق وأمام محطات النقل العمومي، وفي محلات بيع الهواتف، وحتى في بعض الأكشاك العشوائية، مقابل مبالغ زهيدة لا تتعدى في أغلب الأحيان 5 دراهم فقط. والأخطر أن عمليات البيع هذه تتم في الغالب دون التحقق من هوية المشتري أو طلب أية وثيقة تعريفية، في خرق صريح للنصوص القانونية المنظمة للقطاع.
هذا التساهل المريب في توزيع شرائح الاتصال جعل منها أداة مثالية في أيدي بعض المنحرفين، الذين استغلوها في أنشطة إجرامية متنوعة، تبدأ من النصب والاحتيال المالي، مروراً بالتهديدات الإلكترونية، ووصولاً إلى التورط في شبكات الدعارة والابتزاز والاتجار في البشر. فقد صارت هذه الشرائح المجهولة بمثابة “عملة سوداء” في عالم الجريمة، تمنح مستعمليها هامشاً كبيراً من التخفي عن أعين السلطات، وتعقد جهود الرصد والتتبع الأمني للجرائم المنظمة.
تناقض بين القوانين والممارسة الميدانية
رغم أن التشريعات المنظمة لقطاع الاتصالات في المغرب واضحة في هذا الباب، حيث تلزم شركات الاتصالات بضرورة تحديد هوية كل مشترك جديد من خلال الموزعين والبائعين المعتمدين، إلا أن الممارسات الفعلية على الأرض تفرغ هذه النصوص من مضمونها. فالمادة 7 من القانون رقم 24.96 المتعلق بالبريد والمواصلات تنص بوضوح على وجوب إدلاء الزبون ببطاقة التعريف الوطنية أو ما يعادلها عند شراء بطاقة SIM جديدة.
بل إن الأمر يتعدى المسؤولية القانونية لشركات الاتصالات ليطرح علامات استفهام كبرى حول مدى فعالية المراقبة التي يفترض أن تقوم بها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، وهي الجهة المسؤولة دستورياً وقانونياً عن مراقبة حسن احترام الفاعلين لقوانين القطاع، وضمان حماية الأمن السيبراني للمملكة.
ثغرات تفتح المجال للجريمة المنظمة والابتزاز
هذه الفوضى التنظيمية في توزيع بطائق الاتصال مجهولة الهوية تشكل اليوم ثغرة خطيرة تستغلها شبكات إجرامية عابرة للحدود في تنفيذ عمليات نصب دولية، مستفيدة من صعوبة تعقب أصحاب الأرقام المجهولة. كما أن عصابات الابتزاز الإلكتروني باتت تعتمد بشكل واسع على هذه الشرائح لإخفاء هويات أفرادها، خاصة في جرائم استدراج الضحايا عبر تطبيقات المواعدة أو شبكات التواصل الاجتماعي.
ويتفاقم الوضع في ظل التداخل القائم بين عالم الجريمة الرقمية والجرائم الواقعية على الأرض، حيث تتورط العديد من الشبكات التي تنشط في الدعارة والوساطة الجنسية في استخدام هذه الشرائح لتسهيل عمليات التواصل السري مع زبائنها، مقابل تعقيد قدرة الأجهزة الأمنية على تتبع مسارات هذه الأنشطة غير المشروعة.
الحكومة تعترف بوجود الخلل دون اتخاذ قرارات حاسمة
أمام هذا الوضع المقلق، سبق لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن اعترفت ضمنياً بوجود اختلالات في تدبير ملف شرائح الهاتف مجهولة الهوية، مؤكدة أن متعهدي شبكات الاتصالات يتحملون مسؤولية تحديد هوية المنخرطين لديهم من خلال الموزعين التجاريين.
كما أكدت الوزارة أن القانون يلزم شركات الاتصالات بتوقيف أي رقم هاتف لم يتم استكمال بيانات حامله في ظرف ثلاثة أشهر. غير أن هذه المقتضيات القانونية تبقى حبراً على ورق، في ظل تواطؤ بعض الموزعين غير المعتمدين الذين يستمرون في تسويق هذه الشرائح بشكل غير قانوني مقابل مكاسب مادية سريعة، دون الخضوع لأي مراقبة فعلية أو ميدانية من الجهات الوصية.
أين دور الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات؟
هنا تتجه الأنظار إلى دور الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات ANRT، التي يبدو أن تدخلاتها محدودة وغير مؤثرة في ضبط هذا الانفلات، رغم أنها تتمتع قانونياً بصلاحيات واسعة لمراقبة ومحاسبة المتعهدين والموزعين المخالفين. وتطرح هذه الحالة تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة القائمة بين الوكالة ومتعهدي الاتصالات، ومدى جديتها في تفعيل سلطاتها الرقابية في هذا الجانب الحساس من الأمن الوطني الرقمي.
المغرب في مرمى المخاطر السيبرانية.. وضرورة مراجعة شاملة
في ظل هذا المشهد، يرى خبراء الأمن السيبراني أن استمرار هذا الوضع يضع المغرب أمام تهديدات خطيرة، ليس فقط في ما يخص الجرائم المنظمة العابرة للحدود، بل حتى على مستوى الأمن الوطني الداخلي في حال استغلال هذه الشرائح في عمليات إرهابية أو تحركات مشبوهة.
ويطالب عدد من المهنيين والمراقبين بضرورة إعادة النظر في منظومة توزيع شرائح الاتصال، والقطع النهائي مع هذه الممارسات الخطيرة عبر:
- حظر بيع أي شريحة خارج الوكالات الرسمية المعتمدة؛
- إجبارية تقديم بطاقة الهوية عند أي عملية اقتناء أو إعادة شحن؛
- تفعيل صارم للعقوبات في حق الموزعين غير النظاميين؛
- إطلاق حملات وطنية موسعة لتنقية السوق من الشرائح المجهولة؛
- وتعزيز التنسيق بين ANRT والأجهزة الأمنية لوضع حد نهائي لهذا الانفلات.
خلاصة
إن قضية بطائق الاتصال مجهولة الهوية في المغرب ليست مجرد مشكل تجاري يتعلق بممارسات غير قانونية لبعض الباعة المتجولين أو الموزعين غير المعتمدين، بل هي في عمقها قضية أمن وطني تحتاج إلى حسم عاجل وحزم كبير من الجهات المعنية. فالتهاون في ضبط هذا القطاع قد يحوّل التكنولوجيا من نعمة إلى نقمة، ويوفر بيئة حاضنة لجرائم معقدة قد يصعب السيطرة عليها لاحقاً.