القضاء التونسي يحكم غيابياً بسجن منصف المرزوقي 22 عاماً في قضايا متصلة بالإرهاب وسط تصاعد الجدل الدولي حول الحريات في تونس
في تطور قضائي جديد يثير جدلاً داخلياً وخارجياً، أصدرت محكمة تونسية حكماً غيابياً يقضي بسجن الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي لمدة 22 عاماً، على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم على صلة بالإرهاب، وفق ما أوردته تقارير إعلامية يوم السبت. ويمثل هذا الحكم حلقة إضافية في سلسلة الأحكام التي طالت المرزوقي ومجموعة من معارضين آخرين خلال الأشهر الأخيرة، وسط تصاعد المخاوف من التضييق المتزايد على الحريات السياسية والمدنية في البلاد.
أحكام مشددة في حق معارضي النظام
وبحسب ذات المصادر، فقد صدر الحكم مساء الجمعة في حق خمسة متهمين بملفات متفرعة، من بينهم مستشار المرزوقي السابق عماد الدايمي، ونقيب المحامين التونسيين السابق عبد الرزاق الكيلاني، إلى جانب متهمين آخرين، وجميعهم أدينوا في قضايا مرتبطة بـ”الإرهاب” و”المساس بأمن الدولة”، وهي التهم التي باتت كثيراً ما توجه في الآونة الأخيرة ضد معارضين وناشطين سياسيين في تونس.
وكان المرزوقي قد سبق أن أدين غيابياً بالسجن لمدة 12 عاماً في قضيتين منفصلتين تتعلقان بـ”التحريض على الفوضى” و”المساس بأمن الدولة”، ليصل بذلك إجمالي الأحكام الصادرة بحقه حتى الآن إلى 34 سنة سجناً نافذاً.
المؤتمر الصحفي في باريس.. بداية فصول القضية
تفاصيل هذا الحكم الجديد تعود أساساً إلى مؤتمر صحفي عقده المرزوقي رفقة الدايمي والكيلاني في العاصمة الفرنسية باريس، انتقدوا خلاله بشدة الأداء السياسي والقضائي في تونس، ووجهوا فيه اتهامات مباشرة لمؤسسات الدولة وأطراف في السلطة القضائية التونسية. وقد اعتُبر هذا المؤتمر منطلقاً لسلسلة المتابعات القضائية ضدهم بتهم تتعلق بـ”الإساءة لمؤسسات الدولة والتحريض على الإرهاب”.
ورداً على الحكم، وصف منصف المرزوقي، المقيم حالياً في فرنسا، هذه القرارات القضائية بأنها “أحكام سريالية” صادرة في حق “خيرة رجالات تونس”، مؤكداً أنها تثير “سخرية العالم” على حد تعبيره.
ربيع عربي تحول إلى خريف ديمقراطي
يأتي هذا التصعيد في وقت يزداد فيه القلق الدولي من مآلات المسار الديمقراطي في تونس، التي كانت توصف بعد 2011 بأنها “الاستثناء الديمقراطي” في منطقة مضطربة. فمنذ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، علقت آمال واسعة على التجربة الديمقراطية الناشئة التي مثلها دستور 2014 وتناوب سلمي على السلطة في عدة استحقاقات انتخابية.
غير أن هذه التجربة بدأت تتراجع بشكل متسارع منذ القرارات التي أعلنها الرئيس الحالي قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، حينما جمّد عمل البرلمان واحتكر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ثم قام بتعديل الدستور عام 2022 لتركيز أغلب السلطات في يده، مع تقليص دور المؤسسات التمثيلية والتشريعية بشكل كبير، ما اعتبره معارضوه انقلاباً على المسار الديمقراطي وتكريساً لحكم الفرد الواحد.
موجة من الاعتقالات والمحاكمات السياسية
منذ ربيع 2023، شنت السلطات التونسية حملة واسعة استهدفت عدداً كبيراً من الشخصيات السياسية المعارضة، إلى جانب محامين وصحفيين ونشطاء في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وخاصة المدافعين عن حقوق المهاجرين، تحت ذريعة محاربة ما تسميه الدولة “نشر الأخبار الزائفة” أو “المساس بالأمن القومي”، وهي التهم التي اعتبرتها منظمات حقوقية مطاطة وتفتح المجال لاجتهادات واسعة وتبرير متابعات سياسية الطابع.
وفي أبريل 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية أحكاماً مشددة في حق نحو 40 معارضاً، تراوحت بين 13 و66 سنة سجناً نافذاً، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ”التآمر على أمن الدولة”، في واحدة من أقسى الأحكام التي عرفها تاريخ المحاكمات السياسية في تونس الحديثة.
انتقادات دولية واسعة وتحذيرات من العودة إلى السلطوية
في فبراير الماضي، أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء هذه الممارسات، داعية السلطات التونسية إلى “وقف جميع أشكال اضطهاد المعارضين السياسيين واحترام حرية الرأي والتعبير”، كما طالبت بـ”الإفراج الفوري لأسباب إنسانية عن كبار السن والمرضى ممن شملتهم الاعتقالات الأخيرة”.
لكن السلطات التونسية سارعت للرد على هذه الانتقادات بالقول إن جميع الموقوفين متابعون في قضايا “جرائم حق عام لا علاقة لها بنشاطهم السياسي أو الإعلامي”، وهو ما لم يقنع العديد من المنظمات الدولية والجهات الحقوقية المستقلة التي ترى في هذه المحاكمات مساساً خطيراً بالمكتسبات الديمقراطية لتونس.
بين دولة القانون واستغلال القضاء
يؤكد مراقبون أن ما تشهده تونس من تضييق على الحريات، واستغلال جهاز القضاء في تصفية الحسابات مع المعارضين، يهدد بشكل جدّي تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت بعد ثورة 2011، معتبرين أن “السلطة باتت تستعمل القضاء كأداة سياسية أكثر منه مؤسسة مستقلة”.
وبالنظر إلى التوترات السياسية التي تعيشها البلاد، لم تعد معارك القضاء في تونس اليوم تقتصر فقط على صراع سياسي داخلي بين معارضة وسلطة، بل امتدت إلى دوائر الرأي العام الإقليمي والدولي، حيث تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة الاعتبار للحقوق السياسية والمدنية التي شكلت جوهر تجربة “الربيع التونسي”.
ندوة علمية تكشف أبعاد الاستهداف
ويتزامن تصاعد هذه المحاكمات السياسية مع دعوات داخلية وخارجية للتحقيق في استقلالية القضاء في تونس، خاصة بعد تنظيم عدد من الندوات العلمية والحقوقية التي شارك فيها قضاة ومحامون دوليون، وأبرزوا من خلالها مؤشرات “تراجع استقلالية السلطة القضائية” وتزايد تدخل السلطة التنفيذية في عمل المحاكم.
ووفق هذه القراءات، يعتبر ملف المرزوقي وأحكام سجنه المتتالية جزءاً من استراتيجية أوسع لتحييد الأصوات المعارضة قبيل الاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات 2026.
مفترق طرق حاسم للمسار الديمقراطي التونسي
وفي ضوء هذه التطورات، يرى العديد من المحللين أن تونس أصبحت اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى مسار إصلاح سياسي يعيد الاعتبار لاستقلالية المؤسسات الدستورية، أو الانزلاق بشكل نهائي إلى منظومة حكم فردي تعيد إنتاج النمط السلطوي الذي ثار ضده الشعب التونسي قبل أكثر من عقد.