الحكومة تُعيد إحياء نظام “الباشلور” في التكنولوجيا لتعزيز قابلية التشغيل والاعتراف الدولي بالتكوينات المغربية
في خطوة إصلاحية جديدة تهدف إلى ملاءمة منظومة التعليم العالي المغربي مع المعايير الدولية، صادق مجلس الحكومة، أمس الخميس 12 يونيو 2025، على مشروع المرسوم رقم 2.25.456 القاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.04.89، وذلك بإقرار نظام “الباشلور” في التكنولوجيا داخل المدارس العليا للتكنولوجيا، بعد سنوات من الجدل والتوقف.
القرار الحكومي الجديد، الذي قدمه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي، يندرج ضمن التوجهات الكبرى لإصلاح التعليم العالي، من خلال توحيد المعايير البيداغوجية ورفع جاذبية التكوينات الوطنية، لا سيما في ظل المنافسة الإقليمية والدولية المتزايدة على الكفاءات والمؤهلات الأكاديمية.
“الباشلور”: عودة بنَفَس جديد
ويُمثّل نظام “الباشلور”، المعتمد في عدد من الأنظمة الأنجلوساكسونية، صيغة دراسية من أربع سنوات، ترتكز على تعزيز قدرات الطالب في اللغات الأجنبية، والكفايات العرضانية، والمهارات الشخصية والمهنية، كما تتيح له فرص الحركية الدولية والانتقال السلس بين المسالك والشعب، عبر ما يسمى بالسنة التأسيسية الجامعية.
النظام الجديد يأتي بعد التراجع عن الإجازة المهنية في وقت سابق من الولاية الحكومية الحالية، وما خلّفه من نقاشات وانتقادات واسعة بسبب غياب بدائل واضحة لعدد من الشعب التطبيقية والمهنية، ما أثر على قابلية إدماج الطلبة في سوق الشغل.
تكوين عالي الجودة ومدمج في سوق العمل
ويؤكد مشروع المرسوم الحكومي أن إدماج هذا النظام في المدارس العليا للتكنولوجيا لن يمسّ بطابعها المهني، بل على العكس، سيمكنها من تحقيق تميز أكاديمي ورفع جودة عروضها التكوينية، مع الحفاظ على الولوج المحدود الذي يميز هذه المؤسسات، بما يتيح توجيها أكثر دقة للطلبة وتحكماً أكبر في جودة المخرجات.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تنزيل القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، خصوصاً ما يتعلق بـ:
-
تنويع العرض التكويني؛
-
تحسين جودة التكوينات بالمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود؛
-
تعزيز قابلية التشغيل لدى الخريجين؛
-
تحقيق الاعتراف الدولي بالشهادات الوطنية.
جدل الإلغاء والعودة
جدير بالذكر أن نظام “الباشلور” كان قد تم إطلاقه لأول مرة في عهد الوزير السابق سعيد أمزازي، بعد مشاورات موسعة مع الفاعلين الأكاديميين، إلا أنه أُلغي لاحقاً من طرف الوزير السابق عبد اللطيف ميراوي، ما أدى إلى إلغاء تسجيل أكثر من 24.000 طالب كانوا قد التحقوا بمسالك “الباشلور” بمختلف الجامعات العمومية، دون تقديم بديل واضح، وهو ما اعتُبر حينها “نكسة بيداغوجية” أثارت حفيظة عدد من الأسر والفاعلين.
ويُعوَّل اليوم على الصيغة الجديدة التي تمت المصادقة عليها، في أن تُعيد الاعتبار لهذا النظام العالمي، ولكن بصيغة تراعي خصوصية المدرسة العليا للتكنولوجيا، وتدمج الجوانب النظرية بالتطبيقية، لتُخرج طلبة مؤهلين ومندمجين في محيطهم السوسيو-اقتصادي.
سنة تأسيسية وجسور بين الثانوي والجامعي
من أبرز ما يميز النظام الجديد، بحسب بلاغ وزارة التعليم العالي، هو إرساء “السنة الجامعية التأسيسية”، التي من شأنها أن تُشكل جسر عبور حقيقي بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي، من خلال تقوية المهارات الأساسية لدى الطلبة في اللغة، التواصل، التفكير النقدي، والتقنيات الحديثة، قبل التخصص في المسار المهني أو الأكاديمي.
نحو منظومة أكثر مرونة وفعالية
ويرى عدد من المراقبين أن العودة إلى نظام “الباشلور” من بوابة المدارس العليا للتكنولوجيا، يعكس توجهاً استراتيجياً نحو منظومة تعليم عالي أكثر مرونة وعصرنة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات السوق الوطني والدولي، وعلى استرجاع الثقة في التعليم الجامعي العمومي كمحرك للتنمية الشاملة.
ومن المنتظر أن تواكب الوزارة هذا التحول بإجراءات عملية تشمل:
-
إعادة تأهيل الأطر التربوية والبيداغوجية؛
-
تحيين المقررات والمضامين الدراسية؛
-
توسيع شراكات التعاون الدولي للاعتراف بشهادة “الباشلور” المغربية؛
-
رقمنة نظم التتبع والتقييم وربطها بالحركية الجامعية العالمية.
خلاصة
نظام “الباشلور” يعود إلى الساحة التعليمية بالمغرب، ليس كنسخة مكررة من النموذج السابق، بل كتجربة مدروسة تتلاءم مع المدرسة العليا للتكنولوجيا، مستنداً إلى مقاربة مهنية وتطبيقية، تهدف إلى تعزيز تنافسية خريجي الجامعات المغربية وتمكينهم من مواكبة تحولات سوق الشغل الوطنية والدولية.