بوزنيقة على صفيح ساخن: الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تستعد لمحطة مفصلية في مؤتمرها الرابع عشر
تشهد مدينة بوزنيقة، نهاية هذا الأسبوع، واحدة من أكثر المحطات حساسية وإثارة في تاريخ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مع انعقاد المؤتمر الوطني الرابع عشر، الذي يتزامن مع ظرفية سياسية وحقوقية دقيقة في البلاد. ويُرتقب أن يكون هذا المؤتمر لحظة فارقة، ليس فقط على مستوى تجديد هياكل الجمعية، بل على صعيد التوجهات العامة التي ستؤطر عملها مستقبلاً، في ظل أسئلة جوهرية تهم استقلالية القرار، ومآلات القيادة، وموقع الجمعية في المشهد الحقوقي المغربي.
البراهمة في صدارة المشهد: هل هي لحظة التحول؟
في خضم هذا السياق، تبرز بقوة شخصية سعاد البراهمة، المحامية بهيئة سطات والناشطة اليسارية المعروفة، كأبرز الأسماء المرشحة لخلافة الرئيس الحالي عزيز غالي. ووفق مصادر من داخل الجمعية، فإن البراهمة تحظى بدعم واسع داخل عدد من الفروع واللجان، باعتبارها رمزاً للنضال الحقوقي المستقل، ولها باع طويل في متابعة قضايا الصحافيين والنشطاء السياسيين الذين تعرضوا للمحاكمة خلال السنوات الأخيرة.
ويُنظر إلى ترشيحها، من قبل المتتبعين، ليس فقط كخطوة نحو التداول الديمقراطي في رئاسة الجمعية، بل كلحظة تعكس تحولات عميقة داخل البنية التنظيمية والفكرية لهذه المؤسسة الحقوقية. ذلك أن صعود اسم نسائي إلى الواجهة، في ظل هذه الظروف، قد يكون رسالة مزدوجة: نحو الداخل كمؤشر على تجديد الدماء، ونحو الخارج كموقف واضح في دعم القضايا النسائية وتعزيز التمثيلية النسائية في مواقع القرار.
من هي سعاد البراهمة؟
سعاد البراهمة ليست اسماً جديداً في ساحة النضال الحقوقي المغربي. فهي تنتمي لأسرة نضالية معروفة، حيث أنها شقيقة الراحل مصطفى البراهمة، أحد أبرز الوجوه اليسارية المغربية. تميزت في مسارها المهني كمحامية بدفاعها المستميت عن الحريات العامة، وقضايا الرأي، والحق في التنظيم والتظاهر، مما جعل منها صوتاً يحظى بالاحترام، ليس فقط في صفوف الجمعية، بل أيضاً لدى فاعلين حقوقيين وسياسيين متعددين.
يصفها مقربون بأنها “صاحبة نفس نضالي طويل”، و”امرأة مبدئية”، وهي بحسب تعبير أحد قيادات الجمعية “ليست مرشحة توازنات ظرفية، بل عنوان لمرحلة جديدة عنوانها الاستقلالية والوضوح”.
عزيز غالي.. الحصيلة والجدل
في المقابل، لا يزال اسم عزيز غالي، الرئيس المنتهية ولايته، مطروحاً بقوة، في ظل ما يعتبره البعض “رصيداً محترماً” في قيادة الجمعية خلال فترة صعبة، تميزت بارتفاع عدد المتابعات القضائية، وضغوط متعددة على العمل الحقوقي المستقل. وقد عُرف غالي بمواقفه الجريئة، وتصريحاته التي أثارت أحياناً كثيراً من الجدل، كما كان حاضراً بقوة في عدد من الملفات الساخنة، مما جعله شخصية وازنة داخل المكتب المركزي.
غير أن فترة رئاسته لم تخلُ من الانتقادات، أبرزها تلك المرتبطة بموقفه من قضية الصحراء المغربية، والذي وُصف بأنه “غامض وغير محسوب”، ما عرضه لانتقادات داخلية واسعة، وتسبب في اهتزاز صورته لدى شريحة من منخرطي الجمعية، والفاعلين السياسيين. كما شكّل حضوره جنازة أحد قياديي “حزب الله”، موضع استغراب وانتقاد، خصوصاً في سياق حساس يرتبط بعلاقات المغرب الخارجية وتوازناته الإقليمية، وهو ما أحرج الجمعية، ودفع الكثيرين لإعادة تقييم موقعه داخلها.
الجمعية في مفترق طرق
إن المؤتمر الرابع عشر لا يُنتظر منه فقط أن يفرز قيادة جديدة، بل أن يحدد ملامح المرحلة القادمة في ظل مجموعة من الإشكاليات:
-
كيف ستحافظ الجمعية على استقلاليتها أمام محاولات الاستقطاب السياسي؟
-
هل ستتمكن من إعادة بناء الثقة مع جزء من الرأي العام، الذي أصبح يتساءل عن جدوى الجمعيات الحقوقية في ظل انكفاء بعض الأصوات؟
-
إلى أي حد سيُترجم تجديد القيادة إلى مراجعة فعلية للخطاب والمنهج والأولويات؟
ما وراء الكواليس: توافق أم صراع؟
تشير بعض المعطيات القادمة من كواليس المؤتمر إلى وجود مشاورات مكثفة بين عدد من المكونات داخل الجمعية، تهدف إلى التوصل إلى “توافق الحد الأدنى” حول الرئيس المقبل. وبينما تميل بعض الفروع إلى التجديد الجذري، ترى أطراف أخرى أن الاستمرارية ضرورية لضمان الاستقرار التنظيمي.
ومع ذلك، فإن احتمال احتدام المنافسة يبقى وارداً، خصوصاً إذا دخل السباق أسماء بديلة تمثل تيارات وسطية أو راديكالية داخل الجمعية، وهو ما يجعل باب المفاجآت مفتوحاً حتى آخر لحظة.
خاتمة: لحظة تقرير المصير الحقوقي
مهما كانت مخرجات مؤتمر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فإن ما هو مؤكد أن هذه المحطة ستحدد، بشكل كبير، موقع الجمعية في خريطة الفعل الحقوقي خلال السنوات المقبلة. فإما أن تعزز مكانتها كصوت حر ومستقل في وجه الانتهاكات والقيود، أو أن تدخل مرحلة من الغموض والصراع الداخلي، تعكس التحولات التي تعرفها بنية العمل المدني والحقوقي في المغرب.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الصناديق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون سعاد البراهمة العنوان الجديد لهذه المرحلة؟ أم أن عزيز غالي سيُمدد ولايته وسط عاصفة من الانتقادات والجدل؟ الجواب في بوزنيقة، خلال أيام قليلة.