فضيحة تحويل مركب اجتماعي إلى فندق وحانة بسيدي قاسم: تقرير الفرقة الوطنية يقرّ باستكمال التحقيقات ويوصي بتحريك المتابعات
علمت مصادر مطلعة أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية قامت، خلال هذا الأسبوع، بإشعار الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط بانتهاء كافة الأبحاث والتحقيقات المرتبطة بقضية تحويل مركب اجتماعي عمومي إلى فندق وحانة خاصة بمدينة سيدي قاسم، وهي واحدة من القضايا التي أثارت الكثير من الجدل خلال الأشهر الماضية، بالنظر إلى طابعها المتشعب وتورط أسماء وازنة في تدبير الشأن المحلي والإقليمي.
وتأتي هذه الخطوة، التي قد تعلن عن بداية المرحلة القضائية من الملف، بعد مرور أزيد من سنة على انطلاق التحقيقات بناء على شكاية رسمية تقدم بها مستشار جماعي، تبعها تدخل عدة جهات رقابية، على رأسها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، ما يجعل هذه القضية مرشحة لأن تكون واحدة من أبرز ملفات الفساد التي قد تُعرض على القضاء في القادم من الأيام.
خلفيات الفضيحة: مركب اجتماعي يتحوّل إلى مشروع خاص
وتعود تفاصيل الفضيحة إلى قيام مسؤولين محليين، في وقت سابق، بتفويت مركب اجتماعي أنشئ لخدمة الساكنة المحلية، وتحويله تدريجياً إلى منشأة تجارية ذات طابع ترفيهي، تضم مرافق فندقية وحانة، ما أثار استغراب فعاليات مدنية ومهتمين بالشأن المحلي.
وقد أثارت هذه الخطوة، منذ ظهور معالمها الأولى، العديد من التساؤلات حول طبيعة المساطر القانونية التي تم اعتمادها، وكيف تم تمرير هذا التغيير الجذري في وظيفة المركب دون أي نقاش عمومي أو موافقة رسمية موثقة من الجهات الوصية، في خرق صريح لمبدأ الشفافية ومقتضيات الحكامة الجيدة في تدبير الممتلكات الجماعية.
الفرقة الوطنية تنهي الأبحاث وتضم تقارير الرقابة
وبحسب ما أوردته يومية “الأخبار” في عددها لنهاية الأسبوع، فإن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أنهت جميع التحقيقات التقنية والميدانية المرتبطة بالقضية، وأرفقت ملفها النهائي بتقارير أنجزتها أجهزة الرقابة المختلفة، وعلى رأسها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، التي سبق أن أوفدت لجنة خاصة إلى المركب المعني واطلعت على الوثائق ذات الصلة.
لكن المثير، حسب نفس المصادر، أن هذه اللجنة التفتيشية لم تُعد أي تقرير رسمي حول المهمة التي قامت بها، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى تفاعل بعض الجهات الإدارية مع قضايا الفساد، ومدى استعدادها لتحمّل مسؤولياتها الرقابية في ملفات تمس المال العام واستغلال السلطة.
أزيد من 60 مستمعًا إليهم.. وتهم ثقيلة تلوح في الأفق
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الفرقة الوطنية قامت خلال مراحل التحقيق السابقة بالاستماع لأكثر من 60 شخصاً، من ضمنهم منتخبون، موظفون، مستشارون جماعيون، وفاعلون جمعويون، من أجل تجميع صورة واضحة حول ملابسات التغيير غير القانوني في وظيفة المركب، وتحديد المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة.
ويوجد على رأس لائحة المتهمين المحتملين ثلاثة مسؤولين بارزين، هم:
-
رئيس المجلس الإقليمي الحالي لسيدي قاسم،
-
رئيس المجلس الإقليمي السابق،
-
ورئيس المجلس الجماعي الحالي،
وهي أسماء كانت تدير القرار العمومي المحلي خلال الفترات التي عرفت اتخاذ قرارات مصيرية بخصوص المركب، وهو ما جعل الشبهة تحوم حولهم.
شكايات متعددة.. والمجلس الأعلى للحسابات يدخل على الخط
التحقيقات انطلقت أساساً بناء على شكاية تقدم بها البرلماني السابق المعروف بمواقفه الجريئة “ع.ح”، الذي وثّق، حسب مصادر مقربة منه، خروقات متتالية وتجاوزات قانونية في تدبير هذا الملف. لكن التطور الأبرز تمثل في دخول المجلس الأعلى للحسابات على الخط، حيث قدم هذا الأخير بدوره شكاية جديدة حول الموضوع، تم ضمها لاحقاً إلى الملف الأصلي الذي تحوزه الفرقة الوطنية.
ويعزز دخول مؤسسة دستورية من وزن المجلس الأعلى للحسابات مصداقية الشكايات، ويرجح فرضية وجود اختلالات مالية وإدارية جسيمة قد ترتقي إلى جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي، لا سيما في الشق المتعلق بتبديد المال العام، واستغلال النفوذ، والتحايل على القوانين المنظمة لتفويت وتسيير الممتلكات العمومية.
تقرير الفرقة الوطنية: التوصية بتحريك المتابعات
في خلاصة تقريرها، أكدت الفرقة الوطنية أن جميع الأبحاث الضرورية قد أُنجزت، وأنه “لم يعد هناك ما يستدعي المزيد من البحث في الشكايات التي تم ضمها إلى المحضر”، مع ما يفهم منه أن المرحلة المقبلة ستكون قضائية بامتياز، وأن النيابة العامة أصبحت أمام معطيات مكتملة تمكنها من تحريك المتابعات الجنائية ضد الأطراف المتورطة.
هذا التطور يُعتبر بمثابة إحالة ضمنية للملف على القضاء، خاصة أن الأمر لا يتعلق فقط بتجاوزات إدارية، بل بتحويل مرفق عمومي إلى نشاط ربحي خاص، وهي واقعة تنطوي على أبعاد قانونية وأخلاقية وسياسية حساسة، يمكن أن تشكل سابقة في اجتهاد القضاء المغربي في قضايا الفساد المحلي.
من يتحمّل المسؤولية؟ غموض في القرار الإداري
رغم كثافة الشهادات والتحقيقات، يبقى الغموض قائماً حول الطرف الذي أعطى الضوء الأخضر لتغيير نشاط المركب، وهل تم ذلك بقرار انفرادي؟ أم باتفاق بين مسؤولين جماعيين في غياب محاضر رسمية؟
وتُطرح تساؤلات كذلك حول دور سلطات المراقبة، وعلى رأسها عامل الإقليم، في تتبع مثل هذه القرارات، ومدى احترام المجالس المنتخبة لاختصاصاتها القانونية. كما يتساءل متتبعون عن مصير مداخيل هذا “الفندق/الحانة”، وكيف تم التصرف في عائداته؟ وهل تم تسجيلها ضمن مداخيل الجماعة أم تم توجيهها بشكل غير قانوني؟
قضية رأي عام.. ورسائل للجهات المركزية
تحولت هذه الفضيحة، في ظرف زمني وجيز، إلى قضية رأي عام محلي وجهوي، خاصة في ظل الاحتقان الاجتماعي بسيدي قاسم، وغياب مشاريع تنموية حقيقية لفائدة الشباب والفئات الهشة. وقد اعتبرها بعض الفاعلين “رمزاً لما آل إليه التدبير المحلي من تسيّب، وانعدام للمحاسبة”، مطالبين بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق التوجيهات الملكية السامية.
كما وجهت القضية رسائل واضحة إلى الجهات المركزية، من أجل إعمال مزيد من الصرامة في مراقبة عمل المجالس المنتخبة، وتوسيع سلطات هيئات التفتيش المالي والإداري، مع تسريع إجراءات البت في ملفات الفساد، تفادياً لإفلات المتورطين من العقاب.
في انتظار كلمة القضاء
الكرة اليوم أصبحت في ملعب النيابة العامة، التي توصلت بتقرير مفصل وشامل، وهو ما قد يدفعها خلال الأيام القليلة القادمة إلى إصدار أوامر بالمتابعة أو الإحالة على قاضي التحقيق، خصوصاً إذا تبيّن وجود عناصر جرمية قائمة.
وفي جميع الأحوال، فإن الرأي العام المحلي والوطني يترقب بشغف وقلق مآلات هذا الملف، الذي يتقاطع فيه المال العام مع المسؤولية العمومية، وقد يشكل محطة مفصلية في معركة تكريس الشفافية ومحاربة الفساد على مستوى الجماعات والمجالس الإقليمية.