المشهد الجيوسياسي في شمال إفريقيا والساحل يشهد تحولات دراماتيكية، ومعه تتبلور أدوار جديدة وتحالفات بديلة، تقلب الموازين التي ظلت مستقرة لعقود. آخر تجليات هذه التغيرات كانت رسالة دبلوماسية صادمة وجهتها موسكو إلى الجزائر، حين استبعدتها من قائمة المدعوين للمشاركة في احتفالات “يوم النصر”، في مقابل توجيه الدعوة لقادة مالي، النيجر، وبوركينا فاسو – الدول التي باتت تشكل الحزام الأمني والسياسي الجديد لروسيا في فضاء الساحل الإفريقي.
🇷🇺 تغييب الجزائر: دلالة أكثر من مجرد إغفال
عدم توجيه الدعوة للجزائر لم يكن خطأ بروتوكوليًا ولا سهوًا عابرا، بل كان فعلًا محسوبا بدقة، تُرجم بوضوح في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال بنبرة قاطعة:
“من لا يملك وزناً ولا مواقف، لا مكان له على طاولة الكبار.”
تصريح يلخص تحولًا في العقيدة السياسية الروسية تجاه شركائها الأفارقة، ويعكس تقويمًا جديدًا لدور الجزائر في المعادلات الإقليمية، خاصة في ظل التذبذب الذي ميز مواقف النظام الجزائري خلال السنوات الأخيرة، بين خطاب عدائي تقليدي ضد الغرب، وتقارب غامض وغير مستقر مع محور الشرق.
🌍 الجزائر في مرآة الكرملين: الشريك المتردد
لطالما اعتُبرت الجزائر حليفًا تقليديًا لموسكو، لكن يبدو أن هذا التحالف فقد بريقه في أعين الروس. فالنظام الجزائري بقي مشدودًا إلى خطاب مزدوج: عدائي تجاه فرنسا والغرب في الإعلام، لكنه عمليًا لا يقطع شعرة معاوية مع هذه القوى، في الوقت الذي يتعامل فيه بحذر مبالغ فيه مع روسيا، خشية فقدان التوازن بين الشرق والغرب.
موسكو، التي تخوض اليوم صراعًا استراتيجيًا مفتوحًا مع الغرب، لم تعد تقبل بشركاء رماديين أو مترددين، بل تبحث عن تحالفات صلبة ومواقف واضحة، وهذا ما توفره اليوم بجلاء العواصم الجديدة في الساحل: باماكو، نيامي، واغادوغو.
🧭 رهان روسيا الجديد: محور الساحل بدل حلفاء الأمس
اختارت موسكو أن تضع بيضها السياسي والأمني في سلة دول الساحل الثلاث، لما توفره من:
-
مواقف سياسية حاسمة في القطيعة مع فرنسا والغرب
-
قابلية ميدانية للتعاون العسكري والأمني دون بيروقراطية أو ضغوطات دبلوماسية
-
إرادة واضحة في بناء تحالفات بديلة خارج وصاية باريس وواشنطن
وهنا، تتبدى المفارقة: الجزائر، التي لطالما تباهت بخطابها المناهض للاستعمار، أصبحت اليوم أقل جرأة من جيرانها في بناء شراكات بديلة، وأكثر تعلقًا بالخطاب التقليدي والمزايدة الإعلامية.
🚨 رسالة إلى قصر المرادية: الخطاب الرمادي لم يعد يُقنع أحدًا
الرسالة التي بعثتها موسكو، عبر تغييب تبون من احتفالات “يوم النصر”، مفادها أن زمن المجاملة والمراوغة قد انتهى. ومن لا يمتلك الجرأة على تبني مواقف واضحة، لن يجد لنفسه موطئ قدم في التحالفات الجديدة التي تُبنى على أساس المصالح الحقيقية، لا على خطابات الحرب الباردة.
المتغير الروسي يُعد إشارة قوية للنظام الجزائري بضرورة إعادة تقييم موقعه في الخارطة الجيوسياسية الإفريقية، فالعزلة لا تتشكل بين عشية وضحاها، بل تتراكم عبر رسائل التجاهل، ثم التهميش، إلى أن تتحول إلى واقع سياسي لا يمكن إنكاره.
⚖️ في ميزان السياسة الخارجية: الجزائر تخسر نقاط تموقع
هذا الإقصاء الدبلوماسي لا يُقرأ بمعزل عن سياقات إقليمية ودولية أخرى تؤشر إلى:
-
تبخر النفوذ الجزائري في مالي، بعدما أصبحت باماكو أكثر التصاقًا بموسكو وواغنر من أي وقت مضى.
-
فتور العلاقات مع النيجر وبوركينا فاسو، اللتين أصبحتا أكثر تقاربًا مع المحور الروسي.
-
فقدان التأثير داخل الملف الليبي، حيث صارت موسكو تدعم خليفة حفتر بوضوح، على حساب الحليف الجزائري التاريخي.
-
القَطيعة المفتوحة مع المغرب، التي زادت من عزلة الجزائر، بدل أن تمنحها عمقًا استراتيجيًا.
📝 خلاصة: من الحياد الإيجابي إلى العزلة الرمادية
كانت الجزائر تحاول لعب دور “الوسيط الحيادي” بين القوى العالمية، لكنها اليوم تجد نفسها محشورة في زاوية ضيقة، بسبب ترددها السياسي، وافتقارها لرؤية خارجية واضحة المعالم.
الحياد الرمادي لم يعد مجديًا، والعالم يسير بسرعة نحو محاور صلبة تُبنى على الوضوح لا على الخطابات الدبلوماسية الفضفاضة.
غياب تبون عن احتفالات موسكو ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل علامة على انحدار تدريجي في موقع الجزائر داخل خرائط التأثير، سواء في الساحل، أو في إفريقيا، أو حتى على مستوى علاقاتها مع القوى الكبرى.