أزمة في قمة هرم السلطة العسكرية بالجزائر: شنقريحة يُنقل على عجل للمستشفى وسط تكتم رسمي وتداعيات إقليمية
في تطور دراماتيكي يعكس هشاشة الوضع الداخلي في دواليب الحكم العسكري بالجزائر، كشفت تقارير إعلامية متطابقة أن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، تعرّض لما وُصف بـ”نوبة نفسية حادة” عقب اجتماع طارئ لمجلس الأمن والدفاع، الأمر الذي استدعى نقله بشكل مستعجل إلى أحد المستشفيات العسكرية، وسط تكتم رسمي خانق وخطة تواصلية تُطبخ في الخفاء لتفادي الهزات المحتملة لهذا الحدث داخل الجزائر وخارجها.
هذا التطور المفاجئ يأتي في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تعيش الجزائر عزلة سياسية متنامية، وانكماشًا في حركتها الخارجية، يقابله تصدع داخلي واضح على مستوى المؤسسة العسكرية التي تمثل العمود الفقري للنظام.

حالة طارئة وشلل في القرار
الخبر الذي انفردت به مصادر إعلامية ومعارضون جزائريون، من بينهم الصحفي أنور مالك، جاء عبر منصة “إكس”، حيث أكد أن الواقعة حدثت مباشرة بعد اجتماع حاسم لمجلس الأمن والدفاع، وأن تبعاتها دفعت بالرئيس عبد المجيد تبون إلى إلغاء زيارته المرتقبة إلى موسكو، في خطوة أربكت أجندة الدولة الجزائرية وأربكت حلفاءها على المستوى الدولي، خاصة روسيا.
ووفق نفس المصادر، فإن شنقريحة، الذي كان يُنتظر أن يكون ضمن الممثلين الرسميين للجزائر في العرض العسكري الروسي المنتظر، وجد نفسه بدلًا من التواجد على منصات الاحتفال الرسمية إلى جانب قادة العالم، في قاعة انتظار بأحد أقسام الطوارئ.
هذا التحول المفاجئ أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول الوضع الصحي الحقيقي لشنقريحة، الذي يُعتبر الحاكم الفعلي للجزائر، ورجل المؤسسة العسكرية الأول منذ رحيل قايد صالح. كما فتح الباب على مصراعيه لتأويلات داخلية حول تماسك القيادة في قمة هرم النظام العسكري، ومدى قدرة البلاد على مواجهة التحديات المتفاقمة داخليًا وخارجيًا.

تكتم رسمي ومشهد مرتبك في قصر المرادية
ما يزيد من غموض الواقعة هو الصمت الرسمي الذي تلتزمه الدولة الجزائرية، وعدم صدور أي بلاغ من الرئاسة أو وزارة الدفاع، رغم الطابع الاستثنائي للحدث. بل إن إلغاء زيارة تبون لموسكو، والتي كانت مقررة منذ أسابيع، تم دون أي تفسير أو توضيح، الأمر الذي غذى الشكوك وأثار الكثير من علامات الاستفهام في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الجزائر وخارجها.
القراءات المتداولة تشير إلى أن إلغاء الزيارة لم يكن خيارًا سياسيًا حرًا، بل إجراءً اضطراريًا، فرضته الهشاشة الصحية لرأس المؤسسة العسكرية، وتخوفات النظام من أي ارتباك في التمثيلية الخارجية للبلاد، خاصة في مناسبة دولية بحجم العرض العسكري الروسي الذي تسعى موسكو من خلاله إلى استعراض حلفائها وسط مشهد دولي معقد.

اضطراب داخلي وعزلة إقليمية
في خضم هذا الارتباك الصحي والسياسي، تتجه الأنظار إلى الوضع الإقليمي والدبلوماسي المتأزم الذي تعيشه الجزائر. فبعد قطيعة كاملة مع المغرب وتحول العداء بين البلدين إلى مواجهة إعلامية ودبلوماسية مفتوحة، وجدت الجزائر نفسها في عزلة تامة حتى من شركائها التقليديين في القارة الإفريقية.
مالي، التي كانت توصف بالحليف الاستراتيجي، سئمت التدخلات الجزائرية في شؤونها الداخلية، وفضّلت الانفتاح على شركاء جدد بعيدًا عن هيمنة الجزائر. أما النيجر وبوركينا فاسو، فرغم الانقلاب على الأنظمة المتحالفة مع فرنسا، لم تعتنق أي من الدولتين خطاب الجزائر، بل أصبحتا تشككان علنًا في نواياها، واعتبرتا سياساتها الإقليمية امتدادًا للوصاية وليس للتعاون.
من جانب آخر، كشفت التطورات في الملف الليبي أن روسيا نفسها لم تعد تنظر إلى الجزائر كشريك مركزي، إذ تحوّل دعمها الميداني إلى الجنرال خليفة حفتر، في خطوة اعتُبرت ضربة دبلوماسية قاسية لصورة الجزائر كـ”فاعل محايد” في ليبيا.
سقوط السرديات القديمة: النظام العسكري يفقد بوصلته
ما يشهده النظام الجزائري حاليًا هو تآكل تدريجي لشرعيته القديمة القائمة على سردية “الجيش الحامي للدولة”، و”القيادة الموحدة للأمة”. فالسعيد شنقريحة، الذي يُوصف داخل الجزائر وخارجها بأنه رجل المرحلة، لم يستطع لا إصلاح المؤسسة العسكرية، ولا احتواء الغضب الشعبي المتصاعد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
الأزمة الصحية التي ألمّت به تضع المؤسسة العسكرية أمام فراغ محتمل في القيادة، خاصة في ظل عدم بروز شخصية قوية تحظى بتوافق داخل الجيش لتخلفه. هذا الغموض يُنذر إما بصراع داخلي على السلطة، أو باضطراب في موازين القوة داخل المجلس الأعلى للأمن.
تداعيات محتملة على مستقبل الجزائر
وفق متابعين، فإن غياب شنقريحة، ولو مؤقتًا، قد يُحدث ارتباكًا في دواليب اتخاذ القرار، خاصة في الملفات الأمنية الحساسة كالوضع الحدودي مع المغرب، التوترات مع فرنسا، والعلاقة المعقدة مع الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
بل إن بعض المحللين لم يستبعدوا أن تُستغل هذه الظرفية من قبل أطراف داخل النظام لتعديل مواقعها، أو حتى التفكير في إعادة توزيع السلطة بين المدنيين والعسكريين، خاصة في ظل ضغط الشارع والمجتمع المدني المطالب بإصلاح حقيقي.
هل حان زمن إعادة التقييم؟
أمام هذه المعطيات، يبدو أن الجزائر مقبلة على لحظة فارقة تتطلب إعادة تقييم شاملة للنهج السياسي والدبلوماسي الذي سارت فيه منذ سنوات، خاصة في ظل ما يشبه الانكفاء على الذات والاعتماد المفرط على المؤسستين الأمنية والعسكرية لتدبير الدولة.
فالتوازنات الدولية والإقليمية لم تعد تسمح بالخطاب المتعالي أو الانغلاق على الذات. بل إن الحالة الصحية لقائد الجيش قد تكون مناسبة لإعادة التفكير في النموذج السياسي بأكمله، والخروج من عقيدة “الحكم من فوق الخريطة” التي سادت منذ الاستقلال.
خلاصة: الجزائر أمام مفترق طرق
ما حدث للفريق شنقريحة ليس مجرد طارئ صحي عابر، بل هو مؤشر واضح على اهتزاز المنظومة الحاكمة من الداخل. ومع تزايد التوترات الخارجية، واشتداد عزلة الجزائر الإقليمية، تبدو البلاد على حافة تحولات عميقة، قد تعيد تشكيل علاقتها بجيرانها، بشعبها، وبالعالم.
الأسئلة الجوهرية تظل قائمة: من سيملأ فراغ القيادة العسكرية؟ هل سيُحدث غياب شنقريحة تصدعات في النظام؟ وهل يمتلك تبون ومحيطه رؤية للخروج من هذا النفق المظلم؟