فاجعة في فاس: العثور على جثة رضيعة وسط النفايات يهز ساكنة حي واد فاس
استفاق سكان حي واد فاس، صباح يوم السبت، على وقع صدمة مفجعة، بعد العثور على جثة رضيعة حديثة الولادة مرمية وسط النفايات، في مشهد مأساوي حرك مشاعر الحزن والغضب داخل الأوساط المحلية، وأعاد إلى الواجهة أسئلة حارقة حول هشاشة الحماية الاجتماعية، وواقع الأمهات في وضعية هشاشة، والانتكاسات الأخلاقية التي تتربص بالمجتمع.
الواقعة التي جرت أطوارها داخل تجزئة هبة، واحدة من الأحياء السكنية المعروفة وسط مدينة فاس، لم تكن مجرد خبر عابر، بل هزة وجدانية وأخلاقية عميقة، دفعت كثيرين إلى التعبير عن استنكارهم واستغرابهم للطريقة البشعة التي جرى بها التخلص من كائن بريء لا ذنب له سوى أنه جاء إلى الحياة في ظرف اجتماعي غير “مرغوب فيه”.
“البوعارة” شاهد مأساة: لحظة الاكتشاف
وفق ما أفادت به مصادر من عين المكان، فإن أول من اكتشف الواقعة كان أحد المواطنين المعروفين محليًا ضمن فئة “البوعارة” – وهم الأشخاص الذين يعتاشون من جمع المواد القابلة لإعادة التدوير من النفايات – حيث فوجئ بجسد صغير بين أكوام الأزبال. لوهلة، ظن أنه دمية مرمية، غير أن الصدمة كانت كبيرة عندما اقترب ليتأكد أنها رضيعة حقيقية، ملفوفة في قماش رث، ولا تزال تحتفظ بآثار الولادة.
هذه اللحظة المروعة دفعت الرجل إلى إطلاق نداءات استغاثة، سرعان ما استجاب لها سكان الحي، ليجتمع العشرات حول المكان في حالة من الصدمة، قبل أن يتم إشعار السلطات الأمنية، التي حلت بالمكان رفقة عناصر الشرطة العلمية والوقاية المدنية.
التحقيقات تنطلق تحت إشراف النيابة العامة
بمجرد توصلها بالخبر، انتقلت عناصر الشرطة القضائية التابعة للمنطقة الأمنية الثالثة بفاس إلى مسرح الجريمة، حيث باشرت المعاينات الأولية، وأشرفت على توثيق مختلف المؤشرات الجنائية التي قد تساعد في التعرف على ملابسات القضية.
وقد أمرت النيابة العامة المختصة بفتح تحقيق عاجل وشامل، مع توجيه تعليمات صارمة إلى الأجهزة الأمنية بالاستماع إلى الشهود، والقيام بالتحريات التقنية اللازمة، من بينها فحص كاميرات المراقبة المثبتة قرب موقع الحادث، ومراجعة سجلات الولادات المحتملة في الأيام الأخيرة داخل المستشفيات العمومية والخصوصية بالمدينة.
كما جرى نقل جثة الرضيعة إلى مستودع الأموات بالمستشفى الجهوي الغساني، قصد إخضاعها للتشريح الطبي، لتحديد سبب الوفاة بدقة، وما إذا كانت الطفلة قد فارقت الحياة قبل التخلي عنها أم توفيت نتيجة ظروف الوضع والتعرض لعوامل الطقس والإهمال.
شبهات علاقة غير شرعية وخوف من الفضيحة
في غياب بلاغ رسمي حتى اللحظة، رجّحت مصادر محلية أن تكون الرضيعة ثمرة علاقة غير شرعية، وهو ما دفع بأطراف إلى اتخاذ قرار مأساوي بالتخلص منها مباشرة بعد الولادة، خوفًا من الفضيحة أو المتابعة القانونية، خاصة في ظل الوصم الاجتماعي الذي يلاحق الأمهات العازبات، وغياب دعم فعلي من طرف الدولة والمجتمع المدني لهؤلاء النساء.
وتكشف هذه المعطيات عن واقع اجتماعي صادم، حيث تلجأ بعض الأمهات، إما تحت الضغط العائلي أو بدافع الخوف من القانون، إلى قرارات متطرفة تعصف بأرواح أبرياء، في ظل فراغ قانوني، ونقص في الخدمات الاجتماعية والمراكز المخصصة لاحتواء الأمهات في وضعية هشاشة.
صمت ثقيل وأسئلة مؤجلة
رغم أن هذه الفاجعة ليست الأولى من نوعها في المغرب، إلا أن كل مرة تقع فيها مثل هذه الأحداث، تعود نفس الأسئلة الحارقة إلى الواجهة: من يحمي الطفولة؟ من يرافق الأمهات العازبات؟ وأين الدولة من مسؤوليتها في تأمين مراكز إيواء واستقبال تضمن الحماية القانونية والاجتماعية للنساء اللواتي يواجهن الأمومة خارج إطار الزواج؟
الواقع أن المغرب لا يزال يعاني من نظرة محافظة صارمة تجاه الأم العازبة، إذ لا تزال الثقافة المجتمعية تجرّم الأم بدلًا من احتضانها أو دعمها. كما أن الإطار القانوني، وإن عرف بعض التعديلات، لا يزال مترددًا في الاعتراف الكامل بالأمهات خارج مؤسسة الزواج، مما يفتح الباب أمام انتهاكات خطيرة لحقوق الطفولة، كما هو الحال في واقعة فاس.
من الجريمة الفردية إلى الإدانة الجماعية
لا يمكن اختزال مأساة الرضيعة في فاس ضمن جريمة فردية معزولة فقط، بل هي انعكاس مباشر لواقع اجتماعي مضطرب، يعاني فيه الشباب من الفقر، والتهميش، والجهل، والعزلة، بينما تواجه الفتيات خطر الإقصاء والتشهير وحتى العنف، في حال خرجن عن السياق الاجتماعي التقليدي.
إن هذه الجريمة، المؤلمة في تفاصيلها، تكشف عن فشل مزدوج: فشل الدولة في توفير الحماية الاجتماعية والقانونية للفئات الهشة، وفشل المجتمع في احتضان أفراده المختلفين، وتعميق التهميش بدل تجاوزه.
أرقام تنذر بالخطر
وفق معطيات غير رسمية، فإن المغرب يعرف سنويًا آلاف حالات الولادة خارج مؤسسة الزواج، خاصة في أوساط القاصرات والمهاجرات والنساء في وضعية هشاشة. كثير من هؤلاء النساء يلجأن إلى التخلي عن أطفالهن فور الولادة، إما بتركهم أمام المستشفيات أو المؤسسات الخيرية، أو في أسوأ الحالات، وسط النفايات أو الأماكن المهجورة.
وتُظهر هذه الأرقام أن الأزمة ليست فقط أخلاقية أو جنائية، بل بنيوية واجتماعية في العمق، مما يستوجب تدخلًا عاجلًا من مختلف الفاعلين: الدولة، والمجتمع المدني، والمؤسسات الدينية والتربوية، للحد من هذه الظواهر، ومنح الجميع الحق في الحياة بكرامة.
دعوات للتحرك العاجل
في خضم الحزن والغضب الذي خلفته هذه الحادثة، تعالت أصوات عدد من الجمعيات الحقوقية والنسائية بمدينة فاس، داعية إلى تحقيق نزيه وشامل، ومطالبة الدولة بتحمل مسؤوليتها في حماية الأطفال المولودين في ظروف صعبة، وتوفير شبكات دعم اجتماعي ونفسي للأمهات اللواتي يواجهن مصاعب بعد الولادة.
كما طالبت فعاليات مدنية بتسريع إصلاح المنظومة القانونية ذات الصلة، والاعتراف القانوني بالأم العازبة وطفلها، بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية، وخلق آليات للوساطة والحماية، بدل الدفع بالأفراد نحو خيارات مأساوية.
خاتمة: الرضيعة التي صرخت في صمت النفايات
قد تكون الرضيعة التي وُجدت ملفوفة وسط الأزبال بحي واد فاس قد لفظت أنفاسها الأخيرة في صمت، لكن رسالتها كانت صرخة مدوية في وجه مجتمع لا يزال يدفن رأسه في الرمال، كلما تعلق الأمر بالحقوق الإنجابية، والحريات الفردية، وكرامة النساء والأطفال.
إن هذه الحادثة يجب ألا تمر كما مرت غيرها، بل ينبغي أن تُشكل منعطفًا في تعاطي الدولة والمجتمع مع واقع الهشاشة والإقصاء. لأن كل تأجيل أو تجاهل، يعني أننا سنصحو غدًا على فواجع جديدة، قد تكون أكثر قسوة وأقل إنسانية.