جماعة تازة تُدينها المحكمة الإدارية بسبب “الكلاب الضالة”: تعويضات مالية للضحايا تُعيد النقاش حول مسؤولية الجماعات في حماية المواطنين
في سابقة قضائية تعيد فتح النقاش حول مسؤولية الجماعات الترابية في حماية سلامة المواطنين داخل المجال الحضري، قضت المحكمة الإدارية الابتدائية بفاس، يوم الخميس الماضي، بإدانة جماعة تازة وأداء تعويضات مالية لفائدة ثلاثة أشخاص، تعرّضوا لهجوم عنيف من طرف كلاب ضالة داخل تراب الجماعة. القرار القضائي يُشكل رسالة واضحة إلى السلطات المحلية والمنتخبة، مفادها أن الإخلال بواجبات الحماية والصحة العامة قد تكون له تبعات قانونية مباشرة.
تفاصيل الحكم.. تعويضات متفاوتة وأحكام قطعية
أصدرت غرفة الإلغاء والتعويض بالمحكمة الإدارية أحكامًا قطعية تقضي بتحمّل جماعة تازة، في شخص رئيسها، مسؤولية الأضرار التي لحقت بالضحايا، حيث حكمت لصالح المدعي الأول (ا.ه) بمبلغ 23 ألف درهم، وهو نفس المبلغ الذي حصل عليه الضحية الثاني (ب.ج.د)، فيما حصل الضحية الثالث (ا.ن.د) على تعويض قدره 20 ألف درهم. الأحكام جاءت تبعًا لدعويين رفعهما الضحايا خلال فترتين متفرقتين، الأولى تعود إلى يناير 2025، والثانية إلى شتنبر 2024.
وإلى جانب تحميل جماعة تازة مسؤولية ما وقع، قضت المحكمة بإحلال شركات التأمين محل الجماعة في أداء المبالغ المحكوم بها، وهو ما يكرس مبدأ التغطية التأمينية لمخاطر التدبير الجماعي، مع رفض باقي الطلبات التي ربما تتعلق بتعويضات إضافية أو مطالب أخرى خارج نطاق المسؤولية المباشرة.
مسؤولية الجماعة الترابية.. ماذا يقول القانون؟
القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية (القانون 113.14) يُلزم المجالس المنتخبة باتخاذ كافة التدابير الوقائية لضمان السلامة والصحة العامة داخل النفوذ الترابي الذي تشرف عليه. ويُعتبر انتشار الكلاب الضالة ظاهرة تُصنّف ضمن المخاطر البيئية والصحية التي تستوجب تدخلًا عاجلًا، سواء من خلال حملات الإبادة أو التلقيح أو الإيواء المؤقت بالتنسيق مع الجهات البيطرية المختصة.
ومادامت الجماعة تُعد شخصًا معنويًا خاضعًا للقانون العام، فإنها تتحمل المسؤولية المدنية نتيجة الإهمال أو التقصير في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين من مثل هذه الأخطار. وبالتالي، فإن لجوء الضحايا إلى القضاء الإداري لمقاضاة الجماعة، باعتبارها ممثلة الدولة على المستوى المحلي، يستند إلى قواعد المسؤولية الإدارية المبنية على الخطأ المفترض أو الإخلال بالواجب.
إحلال شركة التأمين.. أي دلالة قانونية؟
من أبرز النقاط التي تضمنها الحكم، قرار المحكمة بإحلال شركة التأمين محل جماعة تازة في أداء التعويضات، ما يعني أن المجلس الجماعي كان متعاقدًا على تأمين يغطي المسؤولية المدنية الناتجة عن الأضرار التي قد تلحق بالأفراد داخل المجال الجماعي. وهو إجراء يُعتبر مؤشرًا على توفر الجماعة على بوليصة تأمين مسؤولة، لكنها لم تكن كافية لدرء الضرر قبل وقوعه.
هذا الإجراء يُعيد إلى الواجهة مسألة تدبير عقود التأمين من طرف الجماعات المحلية، حيث أن العديد منها يقتصر على إبرام عقود تأمين شكلية، دون تفعيلها فعليًا أو التنسيق مع المصالح المختصة لضبط المخاطر التي ينبغي تأمينها، وهو ما يُؤدي إلى تكرار مثل هذه القضايا أمام القضاء.
الكلاب الضالة.. معضلة مزمنة تطرح أسئلة حارقة
حادثة تازة ليست استثناءً، بل تمثل وجهًا من أوجه أزمة تعيشها مدن وأقاليم المملكة، تتعلق بانتشار الكلاب الضالة التي تهدد سلامة المواطنين، خاصة الأطفال والنساء والمسنين. ورغم المبادرات التي تُطلق بين الفينة والأخرى لمحاربة هذه الظاهرة، عبر حملات محدودة لإبادة الكلاب أو تعقيمها، إلا أن الوتيرة البطيئة، وغياب رؤية مندمجة، يتركان المجال مفتوحًا أمام تفاقم الوضع.
وغالبًا ما يُسجل المواطنون في مختلف مناطق المغرب حوادث متكررة لهجمات كلاب ضالة، تكون أحيانًا قاتلة أو تُخلّف عاهات مستديمة، ما يُثير تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية المجالس المنتخبة لمعالجة هذه الإشكالية في إطار سياسة بيئية وصحية متكاملة.
دعوات متزايدة للمحاسبة والتعويض
الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية بفاس فتحت الباب أمام ضحايا آخرين لمطالبة الجماعات التي ينتمون إليها بتعويضهم عما لحقهم من ضرر، سواء بسبب هجمات الكلاب الضالة، أو بسبب سقوطهم في حفر أو انهيارات بسبب البنية التحتية المهترئة، أو حتى حوادث تتعلق بتسيير المرافق العمومية.
وبذلك، تتبلور لدى المواطن ثقافة جديدة تقوم على تفعيل المساطر القانونية لمساءلة الإدارة العمومية، عوض الاكتفاء بالتذمر أو تقديم الشكايات الشفوية، مما يعزز دور القضاء الإداري كوسيلة لمراقبة مدى احترام الجماعات الترابية لواجباتها الدستورية والقانونية.
أبعاد سياسية وإدارية للأحكام القضائية
القرارات القضائية الصادرة في هذا الملف، وإن كانت ذات طابع تعويضي، إلا أن لها انعكاسات سياسية وإدارية، حيث من المرتقب أن تُلقي بظلالها على المجلس الجماعي لتازة، الذي سيكون مطالبًا بمراجعة سياسته في التعامل مع الظواهر الخطرة التي تهدد الساكنة، وعلى رأسها الكلاب الضالة.
كما أن المسؤولية السياسية لرئيس الجماعة تظل قائمة، بحكم أن القانون يُلزمه باتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي الأضرار، وقد يكون هذا الملف مدخلًا للمساءلة داخل دورات المجلس المقبلة، من طرف الفرق المعارضة أو حتى من قبل المواطنين أنفسهم، خاصة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
خلاصة: القضاء يُنصف المواطن.. فهل تتحرك الجماعات؟
ما حدث في تازة يُعد مثالًا على أهمية تفعيل دور القضاء الإداري في ضمان التوازن بين حقوق المواطن وواجبات المؤسسات العمومية، وهو انتصار لفكرة العدالة الاجتماعية والمؤسساتية التي تجعل الإدارة مسؤولة أمام المواطن، متى أخلت بواجبها في حمايته.
ويبقى التحدي الآن في أن تتلقف باقي الجماعات الترابية هذه الإشارات، وتُسرع من وتيرة تدخلاتها لمعالجة ظاهرة الكلاب الضالة ومظاهر الإهمال الأخرى، لأن المواطن، حينما يعجز عن الحصول على الحماية ميدانيًا، سيلجأ إلى المحاكم، والقضاء قد يُنصفه، ولكن بعد أن يكون قد دُفع إلى المعاناة أولًا.