أداء باهت واحتقان اجتماعي.. عمدة الدار البيضاء تُهاجم الشركة الجهوية متعددة الخدمات بسبب “فشل تدبير الماء والكهرباء”
تعيش مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، على وقع حالة من الاحتقان الاجتماعي بسبب تدهور خدمات قطاع الماء والكهرباء، وارتفاع الفواتير بشكل غير مبرر، منذ انتقال تدبير هذا القطاع من شركة “ليديك” الفرنسية إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات (SRM). هذا الوضع المتأزم فجّره اجتماع مغلق عقده مجلس مجموعة الجماعات بالجهة، كشفت خلاله العمدة نبيلة الرميلي، عن سيل من الانتقادات الموجهة إلى الشركة الجديدة، التي لم تتمكن، وفق قولها، من الوفاء بالوعود ولا من إصلاح الاختلالات الموروثة عن العهد السابق.
الرميلي تصوب سهام النقد نحو “الشركة الوطنية”
مصادر مطلعة أكدت لجريدة “العمق المغربي” أن عمدة المدينة نبيلة الرميلي، لم تتردد خلال الدورة العادية لمجموعة الجماعات، التي انعقدت يوم الخميس الماضي (لكنها لم تكتمل بسبب غياب النصاب القانوني)، في توجيه انتقادات حادة إلى مسؤولي الشركة الجهوية متعددة الخدمات، محملة إياها مسؤولية حالة “الجمود والارتباك” في تدبير قطاع حيوي يلامس حياة البيضاويين اليومية.
وبحسب نفس المصادر، فإن العمدة لم تكن وحدها في هذا الموقف، بل إن جميع رؤساء الفرق داخل المجلس، ومعهم عدد من النواب، أجمعوا على أن أداء الشركة منذ توليها مهمة تدبير قطاع الماء والكهرباء “لم يرق إلى الحد الأدنى من الانتظارات”، معبرين عن خيبة أملهم في النموذج المحلي الجديد الذي تم الترويج له كبديل أكثر نجاعة واستجابة لحاجيات المواطنين.
غياب التواصل.. نقطة سوداء في سجل الشركة
مصادر من داخل الاجتماع المغلق، الذي انعقد دون حضور ممثلي الشركة، أشارت إلى أن أحد أبرز أسباب الغضب الجماعي هو ضعف التواصل والتفاعل من طرف الشركة مع مكونات المجلس الجماعي، وعدم تقديمها لتوضيحات وافية بخصوص الزيادات المفاجئة في فواتير الماء والكهرباء، وهو ما اعتبره أعضاء المجلس “تهرباً غير مقبول من المسؤولية”.
كما أجمعت تدخلات أعضاء المجلس، بمختلف انتماءاتهم، على أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات لم تُبدِ أي جدية في معالجة الملفات العالقة، ولم تستجب للمراسلات المتكررة الصادرة عن الجماعة، ما زاد من تعقيد الوضعية.
فواتير ملتهبة تُثير سخط البيضاويين
من جهة أخرى، سجلت مدينة الدار البيضاء، منذ بداية عمل الشركة الجديدة، تصاعدًا مقلقًا في أسعار فواتير الماء والكهرباء، حيث فوجئت آلاف الأسر بزيادات غير مبررة في قيمة الفواتير، ما دفع جمعيات المجتمع المدني وهيئات حماية المستهلك إلى دق ناقوس الخطر بشأن ما اعتبروه “تغولاً مالياً” غير مسبوق من طرف المؤسسة المفوض لها تدبير هذا القطاع.
وقد عبّر المواطنون عن سخطهم من هذا الوضع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وداخل مكاتب الأداء التي باتت تعرف اكتظاظاً يومياً بفعل الشكايات المتكررة، دون أن تلقى استجابات فعلية من الشركة أو الجهات الوصية.
الهيئة الوطنية لحماية المال العام تدخل على الخط
وسط هذا السخط الشعبي، دخلت الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب – جهة الدار البيضاء-سطات على الخط، حيث عقدت اجتماعًا استثنائيًا بمقر الشركة يوم 16 أبريل 2025، بحضور أطر من داخل الشركة، وتم خلاله مناقشة الخروقات المفترضة في نظام الفوترة الجديد، وتداعياته على القدرة الشرائية للمواطنين.
محمد العماري، نائب المنسق الجهوي للهيئة، أكد في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن التغيير الذي حصل بانتقال التدبير من شركة “ليديك” إلى شركة وطنية، خلق آمالاً كبيرة لدى الساكنة بتحسين جودة الخدمة وتخفيض الأسعار، إلا أن النتيجة جاءت مخيبة للآمال، مع تسجيل زيادات في الفواتير، وضعف في الاستجابة لمطالب المواطنين.
وأضاف أن نظام الفوترة الحالي، الذي يعتمد على “قاعدة 30 يوماً”، يفتقر إلى العدالة، حيث تؤدي أي زيادة أو نقصان في عدد أيام الاستهلاك إلى انتقال الزبون إلى شطر أعلى، ما يؤدي مباشرة إلى زيادة في قيمة الفاتورة. واعتبر العماري أن هذا النظام يعد إجحافاً في حق المواطنين، ويتطلب مراجعة عاجلة من طرف الشركة والجهات المختصة.
تركة ليديك.. عبء ثقيل لم تتجاوزه الشركة
رغم الآمال التي صاحبت رحيل شركة “ليديك” الفرنسية من تدبير القطاع، إلا أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات لم تتمكن، بحسب الفاعلين المحليين، من تجاوز التركة الثقيلة التي خلفتها سابقتها، والمتمثلة في ضعف البنية التحتية، وتراكم أعطاب الشبكات، وتدهور جودة الخدمات، خصوصاً في المناطق الهامشية والأحياء الشعبية.
وتُتهم الشركة الحالية بالانشغال بإعادة ترتيب بنيتها الإدارية والتنظيمية على حساب تحسين الخدمات للمواطنين، حيث لم تُطلق إلى حدود اليوم، وفق بعض الأعضاء داخل المجلس، أي مشروع بنيوي لإصلاح الأعطاب أو معالجة مشاكل الصرف الصحي أو تقوية الشبكة الكهربائية.
أزمة تدبير أم أزمة نموذج؟
ما يجري اليوم داخل العاصمة الاقتصادية يعيد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة النموذج المفوض لتدبير المرافق العمومية الحيوية، وخاصة تلك المرتبطة بالماء والكهرباء. إذ رغم انتقال المهمة إلى شركة “وطنية”، إلا أن أعطاب التدبير استمرت بل تفاقمت في بعض الجوانب، مما يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية هذا النموذج الجديد، ومدى احترامه للمعايير التي كان يُراد له أن يحققها.
كما يُعيد هذا الوضع الجدل حول دور المجالس المنتخبة في مراقبة الشركات المفوض لها تدبير المرافق العمومية، ومدى استقلالية هذه الشركات في اتخاذ القرارات بعيداً عن الرقابة المباشرة للمجالس، رغم أن القانون ينص على وجوب التقييم المستمر والتقارير الدورية من طرف المفوض إليه.
نقطة “ضعف”.. هل تعيد الحسابات؟
مصادر متطابقة أكدت أن اجتماع المجلس خلص إلى منح نقطة تقييم “ضعيفة جداً” لأداء الشركة الجهوية متعددة الخدمات، ما من شأنه أن يفتح المجال أمام مراجعة الاتفاقية المبرمة معها، أو على الأقل فرض إجراءات تصحيحية عاجلة، قبل فوات الأوان.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستُسارع الشركة إلى تدارك إخفاقاتها قبل أن تفقد ما تبقى من ثقة الساكنة والمجالس المنتخبة؟ أم أن الأمور ستستمر في التدهور، مما قد يفتح الباب أمام تحركات احتجاجية أوسع وربما تدخلات مركزية؟
خلاصة: المواطن يدفع الثمن
في ظل كل هذه المعطيات، يظل المواطن البيضاوي هو المتضرر الأكبر من سوء تدبير قطاع الماء والكهرباء، حيث يُجبر على أداء فواتير مرتفعة، في مقابل خدمة لا ترقى إلى الحد الأدنى من الجودة، وتجاهل لمطالبه واستفساراته من قبل الشركة المفوضة، في مشهد يُغيب أسس الحكامة الجيدة والمحاسبة.