صراع الأغلبية والمعارضة يفجر دورة ماي بجماعة تيفلت: انسحاب جماعي واتهامات بالإقصاء والتراجع الديمقراطي
شهدت دورة ماي العادية لمجلس جماعة تيفلت، التي انعقدت يوم الأربعاء الماضي، توتراً سياسياً غير مسبوق انتهى بانسحاب جماعي لفرق المعارضة من أشغال الدورة، واحتجاجات على ما وصفته بـ”سياسة الإقصاء الممنهج” التي تمارسها رئاسة المجلس، والتي يرأسها عبد الصمد عرشان.
المعارضة، المكونة من أحزاب الاستقلال، التقدم والاشتراكية، فيدرالية اليسار الديمقراطي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أصدرت بياناً شديد اللهجة إلى الرأي العام المحلي، عبرت فيه عن استنكارها الشديد لرفض رئاسة المجلس إدراج أي من النقاط التي اقترحتها ضمن جدول أعمال الدورة، رغم ما تحمله هذه النقاط من أهمية وارتباط مباشر بقضايا وانشغالات المواطنين.
أكثر من خمسين سؤالًا دون جواب
كما نددت المعارضة برفض رئاسة المجلس التجاوب مع الأسئلة الكتابية التي تقدمت بها، والتي بلغ عددها 56 سؤالاً، تتعلق بقضايا التعمير، البنيات التحتية، الخدمات الأساسية، والشفافية في تدبير الشأن العام المحلي. واعتبرت المعارضة أن هذا السلوك “يشكل مصادرة واضحة لحق دستوري مكفول لأعضاء المجالس المنتخبة، والمتمثل في الترافع والمساءلة والمشاركة الفعالة في صياغة السياسات العمومية المحلية”.
وأضافت أن هذا الرفض الجماعي غير المبرر “يعكس توجهاً مقلقاً نحو تهميش المعارضة، وإفراغ دورات المجلس من بعدها الرقابي والتشاوري، وهو ما يُعد تراجعاً خطيراً عن المكتسبات الديمقراطية التي راكمها المغرب في مجال تدبير الشأن الترابي”.
خطوة احتجاجية مدروسة
وفي تصريح صحفي لجريدة “العمق المغربي”، أكد عز العرب حلمي، المستشار عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن ما جرى خلال دورة ماي يشكل “مؤشراً على انحدار خطير في الممارسة الديمقراطية داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في الشفافية والحكامة المحلية”.
وأوضح حلمي أن فرق المعارضة قدمت عدداً من المقترحات والأسئلة التي تلامس هموم المواطنين، غير أنها فوجئت بـ”رفض شامل وغير مبرر”، مما دفعها إلى اتخاذ قرار بالانسحاب الجماعي والمنظم من الدورة، بعد تسجيل الحضور والموقف داخل القاعة، ثم تنظيم وقفة احتجاجية سلمية أمام مقر الجماعة، تعبيراً عن رفضها لما وصفه بـ”الانغلاق السياسي المتعمد داخل المجلس”.
إصرار على أداء الدور الرقابي
وأكد حلمي أن المعارضة لن تتنازل عن دورها الرقابي والاقتراحي، وستواصل الضغط بكل الوسائل القانونية والمشروعة من أجل استعادة التوازن داخل المجلس، معلناً عن عزم الفرق تنظيم ندوة صحفية خلال الأيام القليلة المقبلة لكشف تفاصيل ما جرى في دورة ماي، وتقديم رواية المعارضة للرأي العام المحلي والوطني حول ما تعتبره “انزلاقاً في تسيير مؤسسة يفترض أن تخضع للقانون ولمبدأ التداول والتشاركية”.
كما وجهت المعارضة انتقادات حادة لما وصفته بـ”هيمنة الصوت الواحد وتغييب الرأي المخالف”، معتبرة أن ما يجري داخل مجلس جماعة تيفلت هو “عودة مقلقة إلى ممارسات الماضي”، في إشارة إلى أساليب التحكم والانفراد بالقرار التي كانت سائدة قبل تعزيز اللامركزية والديمقراطية التشاركية في المغرب.
رئيس المجلس يرد: الأسئلة متكررة وغير منسجمة
في المقابل، وفي أول رد فعل رسمي على بيان المعارضة، أوضح رئيس المجلس الجماعي لتيفلت، عبد الصمد عرشان، أن عدد الأسئلة التي توصل بها المجلس من طرف المعارضة بلغ فعلاً 56 سؤالاً، لكن أغلبها، بحسبه، “تدور حول نفس الموضوعات وتفتقر إلى التنسيق، مما يجعلها غير منطقية وغير منسجمة، وبالتالي يصعب التعامل معها بجدية”.
وأضاف عرشان، في تصريح لـ”العمق المغربي”، أن “هذه الأسئلة، رغم تعددها، لا تقدم قيمة مضافة للنقاش العمومي داخل المجلس، وتُظهر نوعاً من التكرار المتعمد”، مشيراً إلى أن مكتب المجلس قرر عدم التفاعل معها بناءً على هذه الاعتبارات.
النقاط المقترحة “غير مجدية”
وحول النقاط الأربع التي تقدمت بها المعارضة لإدراجها ضمن جدول أعمال الدورة، أشار رئيس المجلس إلى أن المكتب تداول في شأنها، وخلص إلى اعتماد نقطة واحدة فقط “تتوفر على الحد الأدنى من الجدوى”، بينما تم إسقاط النقاط الثلاث الأخرى لكونها، وفق تعبيره، “لا تتسم بالراهنية ولا تعكس الأولويات الحقيقية للساكنة”.
واعتبر عرشان أن هذه الخطوة لا تعني الإقصاء، بل “اختيار مواضيع ذات أهمية عملية وملموسة”، نافياً وجود نية مسبقة لتهميش المعارضة، ومؤكداً أن المجلس “كان، على مدى أربع ولايات متتالية، منفتحاً على جميع المكونات السياسية، بما في ذلك المعارضة”.
عرشان: ما يجري تسخينات انتخابية مبكرة
وهاجم عرشان مكونات المعارضة، معتبراً أن تحركاتها الأخيرة “تدخل في إطار تسخينات انتخابية مبكرة، ومحاولة لتأليب الرأي العام ضد رئاسة المجلس”، مضيفاً أن “الأولوية الآن ليست للصراعات السياسوية، بل للعمل الجاد والهادئ لخدمة المواطنين وتحقيق الصالح العام”.
وأكد رئيس المجلس أن المؤسسة المنتخبة تشتغل وفق القانون، وتحرص على اعتماد مقاربة واقعية في التعامل مع الأسئلة والمقترحات، بعيداً عن “الشعبوية والاستعراض السياسي”.
سياق وطني يعمّق الإحباط المحلي
وتأتي هذه الأزمة داخل مجلس جماعة تيفلت في سياق وطني يعرف تصاعد التوتر داخل عدد من المجالس المنتخبة، بسبب ما يعتبره المنتخبون المعارضون “تراجعاً في الممارسة الديمقراطية، وتنامياً لسياسات الإقصاء واحتكار القرار من قبل رؤساء الجماعات”.
ويرى عدد من المتتبعين أن ما حدث في دورة ماي بتيفلت يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الأغلبية والمعارضة على المستوى المحلي، نتيجة غياب آليات حقيقية للتشاور والحوار، وضعف قنوات الوساطة المؤسساتية، إضافة إلى غياب ضوابط صارمة تلزم الرؤساء بالتفاعل الإيجابي مع مقترحات وأسئلة المعارضة، في إطار التوازنات التي يفترض أن تحكم تدبير الشأن العام الترابي.
دعوات للتدخل وفتح تحقيق إداري
وفي هذا السياق، طالبت فعاليات مدنية محلية وزارة الداخلية، باعتبارها سلطة الوصاية، بالتدخل العاجل لفتح تحقيق إداري في ملابسات ما جرى خلال دورة ماي، والوقوف على مدى احترام المجلس للقوانين المؤطرة لاشتغال الجماعات الترابية، خاصة ما يتعلق بحقوق المعارضة في المراقبة والتقييم والتشاور.
كما دعت إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمبدأ التشاركية، واحترام التعددية داخل المجالس، باعتبارها ركائز أساسية في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.