قضية “سپا علال الفاسي”.. القضاء يُدين مسيرتين بالسجن والغرامة في مراكش بتهم الفساد والدعارة
في تطور جديد يسلط الضوء مجددًا على ظاهرة استغلال مراكز التدليك لأغراض غير قانونية، قضت الغرفة الجنحية التلبسية بالمحكمة الابتدائية بمراكش، اليوم الخميس، بإدانة مسيرة محل للتدليك ومساعدتها بسنة حبسا نافذا لكل واحدة منهما، وغرامة مالية قدرها 3000 درهم، وذلك بعد متابعتهما في ملف جنحي يتعلق بتهم الفساد، وجلب أشخاص للبغاء، وأخذ نصيب مما يتحصل عليه الغير عن طريق الدعارة.
القرار القضائي جاء ليُكرّس نهجًا زجريًا تتبعه السلطات القضائية والأمنية بمراكش في مواجهة الأنشطة غير القانونية التي باتت تتخفى داخل واجهات مهنية، خاصة مراكز التدليك “SPA”، والتي تحوّل بعضها إلى أوكار تستغل لأغراض جنسية تحت غطاء تقديم خدمات استجمامية.
تفاصيل القضية: مداهمة “سبا” واعتقال 8 أشخاص
وتعود فصول الواقعة إلى تدخل أمني نفذته عناصر فرقة الأخلاق العامة التابعة للشرطة القضائية بولاية أمن مراكش، حيث قامت بمداهمة محل للتدليك يقع بشارع علال الفاسي بمقاطعة جيليز، بعد توفر معلومات دقيقة حول استغلال المحل في أنشطة مشبوهة.
وقد أسفرت العملية عن توقيف 8 أشخاص داخل المركز، من بينهم الزبائن ومشتغلات بالمحل، إلى جانب مسيرته (ن.ص) ومساعدتها (ح.ا)، واللتين جرى وضعهما تحت تدابير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة، قبل أن تُعرضا على أنظار القضاء الذي قرر متابعتهما في حالة اعتقال.
تُهم ثقيلة: فساد، دعارة، وجلب الغير للبغاء
بحسب قرار المتابعة الصادر عن النيابة العامة بابتدائية مراكش، فإن المسيرتين توبعتا بتهم الفساد، وجلب أشخاص لممارسة البغاء، واستغلال عائدات الدعارة، وهي تهم تُصنف ضمن الجرائم الأخلاقية، وينص عليها القانون الجنائي المغربي في فصوله المتعلقة بمكافحة الفساد والتحريض على الدعارة واستغلال الغير لأغراض جنسية.
وتنص المادة 498 من القانون الجنائي المغربي على أن “كل من أغرى شخصاً أو عدة أشخاص ذكوراً كانوا أو إناثاً، على ممارسة البغاء، أو سهّل لهم ذلك، يُعاقب بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة”، مع تشديد العقوبة في حال توافر صفات مهنية أو ارتباط بالجريمة المنظمة.
ويُذكر أن المحلات التي يُشتبه في ممارستها أنشطة دعارة تحت غطاء التدليك، غالبًا ما تتخذ واجهات وهمية مرخصة، لكنها تُخفي خلفها أنشطة غير قانونية تُمارَس بعيدًا عن أعين الرقابة، وهو ما دفع المصالح الأمنية في السنوات الأخيرة إلى تكثيف حملاتها على هذه الفضاءات، خاصة في المدن السياحية كمراكش وأكادير وطنجة.
السياق المحلي: مراكش تحت المجهر
تُعد مدينة مراكش من أكثر المدن التي تشهد نشاطًا ملحوظًا في قطاع مراكز التدليك، بالنظر إلى خصوصيتها السياحية واستقطابها المتواصل للزوار الأجانب، ما يجعلها عرضة لممارسات غير قانونية تتسلل داخل بعض الفضاءات التجارية.
ولم تكن قضية “سبا علال الفاسي” هي الأولى من نوعها، بل سبق أن تمت مداهمة وإغلاق عشرات المحلات في السنوات الأخيرة، بعضها تم ضبطه في حالة تلبس بأنشطة الدعارة أو تشغيل فتيات في ظروف غير قانونية، وهو ما يعكس تحديًا حقيقيًا أمام السلطات الأمنية والرقابية لضبط المجال.
وقد وجّه العديد من الفاعلين الحقوقيين والمجتمع المدني انتقادات لغياب مراقبة حقيقية لعدد من المراكز التي تُفتتح دون رقابة مهنية صارمة أو تدقيق في هوية المشغّلين، كما دعا البعض إلى ضرورة إعادة تنظيم القطاع وفق دفتر تحملات صارم، يضمن الطابع العلاجي والمهني للمراكز، ويمنع استغلالها في الدعارة المقنعة.
الإشكالية القانونية: بين التقنين والانفلات
رغم أن قطاع التدليك يُعد مجالًا مشروعًا، ومرخصًا له ضمن قطاعات الخدمات العلاجية والاستجمامية، إلا أن غياب تقنين دقيق للمهنة، وعدم توفر إطار قانوني صارم يضبط معايير الاشتغال، جعل المجال أرضًا خصبة للانفلاتات.
ويطرح عدد من المتتبعين أسئلة جوهرية حول مدى نجاعة الترسانة القانونية المغربية في ردع استغلال المحلات التجارية في أنشطة مشبوهة، ومدى قدرة السلطات المحلية على ضبط شروط منح التراخيص وتتبع استغلالها الميداني.
ويطالب المهنيون في القطاع الصحي والاستشفائي، من جهتهم، بـضرورة الفصل بين مراكز التدليك ذات الطابع الصحي، وتلك التي تقدم خدمات ترفيهية أو تجارية، مع إخضاع جميع الفضاءات للمراقبة الدورية من طرف لجان مختصة من وزارة الصحة، وزارة الداخلية، والشرطة الإدارية.
أبعاد اجتماعية وأخلاقية: الضحايا في صمت
ورغم أن القضايا التي تُعرض أمام المحاكم تتجه غالبًا نحو معاقبة المسيرين والمستفيدين الماليين من استغلال الفتيات، إلا أن العديد من الضحايا، خصوصًا العاملات داخل هذه المراكز، يجدن أنفسهن عرضة للاستغلال الجنسي أو الاقتصادي في ظل هشاشة الوضع الاجتماعي، والبطالة، وغياب تأطير نقابي أو قانوني يُوفر لهن الحماية.
ويعتبر بعض الحقوقيين أن التعامل الأمني وحده لا يكفي، داعين إلى مقاربة شاملة تتضمن جانبًا زجريًا، وآخر وقائيًا، من خلال حملات توعوية، تحصين الشباب، محاربة الفقر، وإحداث فرص شغل بديلة للنساء في وضعية هشاشة.
قضية “سپا” ومآلات المعالجة الزجرية
قضية إدانة مسيرتي محل التدليك بمراكش تُعيد طرح ملف استغلال المراكز المهنية في أنشطة غير قانونية، ومدى نجاعة المقاربة الأمنية والقضائية في التصدي لها. كما تثير في الوقت ذاته أسئلة حول السياسات العمومية في تنظيم هذا القطاع، وإمكانية تقنينه بشكل يحمي المهنيين الحقيقيين، ويعزل الممارسات الخارجة عن القانون.
وفي انتظار تحركات أكثر فاعلية من الجهات المختصة، تبقى مدينة مراكش واحدة من النقاط الساخنة التي تستدعي مراقبة مستمرة، وتنسيقًا أكبر بين الشرطة الإدارية، والأجهزة الأمنية، والجماعات المحلية، من أجل القضاء على هذه الظواهر التي تُسيء إلى صورة المدينة والقطاع السياحي ككل.