الوزير الميداوي يقر بضعف المنح الجامعية ويدعو إلى تعبئة جماعية لإنقاذ منظومة التعليم العالي
في سياق الجدل المتصاعد حول أوضاع الطلبة في الجامعات المغربية، خرج وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، بتصريحات صريحة تكشف حجم التحديات التي تواجه القطاع، معترفًا بوجود اختلالات حقيقية، خاصة في ما يتعلق بضعف قيمة المنح الدراسية، وضرورة تحسين البنية التحتية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الاجتماعية الجامعية.
تصريحات الميداوي جاءت خلال عرض مفصل قدمه أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الأربعاء 23 أبريل الجاري، حيث سلط الضوء على الوضع الراهن للقطاع، ورؤية الوزارة لإصلاحه، داعيًا إلى تضافر الجهود على المستوى المركزي والترابي لضمان استدامة منظومة التعليم العالي.

ضعف المنح مقابل مجهودات الدولة.. توازن هشّ
أقر الوزير، في خطوة تحسب له من حيث الصراحة، بأن قيمة المنح الجامعية المخصصة للطلبة ما تزال محدودة ولا تواكب تطلعات الشباب الجامعي المغربي، لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والنقل والسكن، وازدياد الضغط على المدن الجامعية.
لكن، في المقابل، أكد الميداوي أن الدولة تبذل مجهودًا كبيرًا لتخفيف العبء عن الطلبة عبر توفير السكن الجامعي والإطعام بأسعار رمزية، ما يعكس، برأيه، التزام الحكومة بالاستثمار الاجتماعي في التعليم العالي، رغم الإكراهات المالية العامة.
وأوضح أن تحسين قيمة المنح الدراسية يظل رهينًا بتحسن مؤشرات الاقتصاد الوطني ومعدلات النمو، وهو ما يعكس أن أي زيادة مستقبلية مرهونة بالظرفية الاقتصادية، وليس بإرادة سياسية فقط.
منظومة المنح: قفزة رقمية غير مسبوقة في موسم 2024-2025
واحدة من النقاط المضيئة في العرض، كانت إعلان الوزير أن نسبة الاستجابة لطلبات منح التعليم العالي خلال الموسم الجامعي 2024-2025 بلغت 93%، وهي الأعلى على الإطلاق مقارنة بالسنوات السابقة.
للمقارنة، بلغت هذه النسبة 67% فقط في 2021-2022، ثم ارتفعت إلى 76% في 2022-2023، و82% في الموسم الماضي، ما يمثل قفزة نوعية في ظرف أربع سنوات.
وحسب الميداوي، فإن عدد الطلبات المسجلة خلال هذا الموسم بلغ 187 ألف طلب جديد فقط في سلك الإجازة، في حين كان عدد الطلبات في جميع الأسلاك خلال موسم 2022-2023 قد تجاوز 419 ألف طلب، مع توقعات بارتفاع مضطرد في المواسم المقبلة.
اختلالات في التوزيع الجغرافي رغم الأرقام الإيجابية
رغم القفزة على مستوى عدد المستفيدين، كشف الوزير عن فوارق مجالية واضحة في نسب الاستجابة بين مختلف أقاليم وعمالات المملكة. فقد سجلت 15 عمالة وإقليمًا نسبة استجابة بلغت 100%، فيما حققت 62 عمالة وإقليمًا نسبة تفوق 90%.
لكن في المقابل، هناك 15 عمالة لم تتجاوز فيها الاستجابة نسبة 90%، بينما سجلت 5 عمالات، من بينها جهة الدار البيضاء – سطات، نسبًا تقل عن 80%، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير الإنصاف المجالي والاجتماعي في توزيع المنح.
وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن الوزارة تعمل على تصحيح هذه الفوارق بشكل تدريجي، في إطار رؤية تعتمد على العدالة الترابية والاجتماعية كأساس لتوزيع الدعم العمومي الموجه للطلبة.
دعوة إلى انخراط الجماعات والجهات: نحو شراكة أفقية لتأهيل الجامعة
الوزير الميداوي أكد أن إصلاح منظومة التعليم العالي لا يمكن أن يتم بجهد قطاع واحد فقط، بل هو “ورش وطني مشترك” يستوجب تعبئة كل الفاعلين، بما فيهم الجماعات الترابية، الجهات، المجالس الإقليمية، والقطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، دعا الوزير إلى توسيع قاعدة التمويل لتشمل الشركاء المحليين والخواص، خصوصًا فيما يتعلق بملفات المنح، السكن الجامعي، والإطعام، معتبرًا أن هذه الشراكات يمكن أن توفر تمويلات إضافية وتحسن الخدمات.
وأشار إلى أن الوزارة بدأت بالفعل في تنفيذ نموذج جديد لتسيير الأحياء الجامعية، يعتمد على شراكات بين القطاعين العام والعام، والعام والخاص، ما من شأنه تحسين جودة الخدمات وتوسيع الطاقة الاستيعابية، في ظل الضغط المتزايد على المرافق الجامعية.
واقع مرير للأطر الإدارية والتربوية رغم الإنجازات
في مقابل المؤشرات الإيجابية، لم يخف الميداوي التحديات الهيكلية التي تؤثر سلبًا على جودة التعليم العالي، إذ كشف أن الأستاذ الجامعي في المغرب يتكفل حاليًا بتدريس 250 طالبًا في المعدل، بينما يتكفل الموظف الإداري بمتابعة 300 طالب.
في المقابل، تشير المعايير الدولية إلى أن المعدل المثالي هو أستاذ لكل 10 إلى 15 طالبًا فقط، ما يعكس حجم الاكتظاظ، وقلة التأطير، وضغط العمل على الأطر الجامعية.
ويُفسر هذا الوضع الصعب ارتفاع نسب الهدر الجامعي التي بلغت 49%، إلى جانب تغيب 40% من الطلبة عن امتحانات الدورة الأولى، مما يثير تساؤلات جدية حول دوافع التحاق عدد من الطلبة بالجامعة فقط من أجل الاستفادة من المنحة، دون الالتزام بالمسار الأكاديمي.
غياب نظام معلوماتي موحد.. عائق أمام الإصلاح والتخطيط
في خطوة أخرى تعكس واقع الفوضى المعلوماتية، أكد الوزير أن العديد من المؤسسات الجامعية لا تتوفر على نظام معلوماتي دقيق ومحدث، ما يُعقّد على الوزارة مهمة تتبع المعطيات واتخاذ القرارات الاستراتيجية، خصوصًا في ما يتعلق بتوقعات الطاقة الاستيعابية والاحتياجات المستقبلية.
واعتبر الميداوي أن الرقمنة وتوحيد النظام المعلوماتي الجامعي يشكلان أولوية قصوى لتأهيل القطاع، وتحسين الحوكمة، وتفادي التكرار والهدر، وضمان تتبع دقيق للمسارات الدراسية والموارد.
نحو منظومة أكثر جاذبية.. ولكن بشروط
رغم الإكراهات العديدة، شدد الوزير في ختام عرضه على أن الجامعة المغربية بدأت تكتسب اعترافًا دوليًا متزايدًا، وأضحت تجذب كفاءات وطلبة من الخارج، خاصة في مجالات الطب، الاقتصاد، والتدبير، بفضل الجودة العلمية لعدد من المؤسسات، والانفتاح على الشراكات الدولية.
غير أن هذه الدينامية، حسب الميداوي، لن تستمر إلا إذا تم تحسين ظروف الطلبة المغاربة أولاً، وضمان بيئة تعليمية لائقة، واستقرار اجتماعي ومهني للأطر التعليمية، باعتبار أن هذه العوامل تشكل الأساس الحقيقي لكل جاذبية أكاديمية.
إصلاح المنظومة الجامعية رهين بقرارات شجاعة وشراكات مسؤولة
تُبرز معطيات الوزير عز الدين الميداوي أن التعليم العالي في المغرب يعيش مفارقة صارخة: من جهة، رغبة حقيقية في الإصلاح وإرادة سياسية لتوسيع قاعدة الدعم والخدمات؛ ومن جهة أخرى، عوائق بنيوية تُبطئ وتيرة الإصلاح، مثل ضعف التمويل، ضعف التأطير، غياب النظام المعلوماتي، والاكتظاظ.
ولا شك أن نجاح أي إصلاح جامعي حقيقي يمرّ عبر إرساء شراكة أفقية بين الدولة، الجماعات الترابية، والقطاع الخاص، مع تحسين شروط العيش والتكوين للطلبة، وإعادة الاعتبار لمهنة الأستاذ الجامعي.
فهل تنجح الوزارة، بتوجيه من هذا الوزير التكنوقراطي، في تجاوز منطق “التسيير الإداري”، نحو رؤية إصلاحية جريئة تعيد الاعتبار للجامعة المغربية؟