مصرع طفل بين أنياب الكلاب الضالة يعيد الجدل حول فوضى تدبير الصحة والسلامة في المجال الترابي
مأساة الصخيرات.. مصرع طفل بين أنياب الكلاب الضالة يعيد الجدل حول فوضى تدبير الصحة والسلامة في المجال الترابي
في مشهد مفجع يعكس حجم الإهمال الذي تعاني منه بعض المناطق شبه الحضرية في المغرب، اهتزّت جماعة “الصباح” التابعة لمدينة الصخيرات، مساء الأربعاء، على وقع حادث أليم راح ضحيته طفل صغير قادم من مدينة وزان، بعدما تعرض لهجوم شرس من قبل مجموعة من الكلاب الضالة، أنهت حياته بطريقة مروعة، وسط صدمة عائلته وسكان المنطقة.
من العزاء إلى المأساة.. تفاصيل الحادث
وفق مصادر محلية، فإن الطفل كان قد حل رفقة أسرته بمدينة الصخيرات لتقديم العزاء في وفاة أحد أقاربه، في أجواء إنسانية تتسم بالحزن والاحترام. إلا أن لحظات الهدوء تحولت إلى كارثة، بعدما خرج الطفل من منزل العزاء للتجول قليلاً قرب الحي السكني، دون أن يدري أن مجموعة من الكلاب الضالة كانت تتربص به.
وأشارت ذات المصادر إلى أن الكلاب هاجمت الطفل فجأة، وأسقطته أرضًا قبل أن تبدأ في نهش جسده بطريقة وحشية، وسط غياب تام لأي تدخل بشري سريع يمكن أن ينقذه. وقد توفي الطفل في عين المكان متأثرًا بجروحه البليغة، ليتحول مأتم العائلة إلى فاجعة مضاعفة.
تدخل السلطات وفتح تحقيق
فور علمها بالحادث، هرعت عناصر الدرك الملكي والسلطة المحلية إلى مكان الواقعة، حيث تم نقل جثة الضحية إلى مستودع الأموات، وفتح تحقيق مستعجل تحت إشراف النيابة العامة المختصة، للوقوف على كافة ظروف وملابسات المأساة.
وتعيش ساكنة جماعة الصباح حالة من الذهول والحزن الشديدين، إذ لم تكن تتوقع أن ينقلب مشهد عزاء إلى مجزرة صامتة راح ضحيتها طفل بريء، ضحية مباشرة لاستفحال ظاهرة الكلاب الضالة التي باتت تثير الرعب في عدد من الأحياء بالمغرب.
الكلاب الضالة.. خطر يومي صامت
لا تعتبر هذه الحادثة الأولى من نوعها، بل تنضاف إلى سلسلة من الوقائع المأساوية التي كان أبطالها كلاب ضالة، تمثل تهديدًا حقيقيًا لأرواح المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن، في مدن وقرى لا تتوفر على نظام فعال لتدبير الصحة والسلامة العامة.
وحسب تقارير جمعوية، فإن المغرب يُسجل سنويًا آلاف حالات عضّ الكلاب الضالة، بعضها يُؤدي إلى الإصابة بداء السعار القاتل، في وقت تعاني فيه المراكز الصحية من خصاص في اللقاحات المضادة، أو تبعد عن السكان بأميال.
غياب رؤية مؤسساتية واضحة
رغم أن وزارة الداخلية سبق وأن أصدرت مذكرات توجيهية إلى الجماعات الترابية قصد وضع خطط للتعامل مع الكلاب الضالة، إلا أن الواقع يُظهر أن تلك التعليمات بقيت في أغلبها حبيسة الرفوف. ويرجع بعض الفاعلين المحليين هذا الفشل إلى:
-
ضعف الميزانيات المخصصة لتدبير الصحة الحيوانية.
-
غياب التنسيق بين السلطات المحلية والمصالح البيطرية.
-
غياب حلول مستدامة مثل التعقيم والحد من التكاثر العشوائي.
-
رفض جمعيات الرفق بالحيوان لبعض أساليب “التدخل بالعنف”، دون تقديم بدائل عملية.
بين مطرقة السلامة وسندان حقوق الحيوان
المثير في هذا الجدل هو الانقسام المجتمعي والمؤسساتي حول كيفية التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة. فمن جهة، تطالب السكان بحملات تطهير قوية وفعالة، حفاظاً على سلامتهم وسلامة أطفالهم. ومن جهة أخرى، تدافع جمعيات حقوق الحيوان عن الحق في الحياة لهذه الكائنات، وتطالب بـ”حلول إنسانية” تقوم على الإخصاء والتعقيم والتطعيم.
غير أن غياب استراتيجية وطنية شاملة، يجمع فيها بين الحلول الصحية والحقوقية والبيئية، يجعل من كل تدخلات الدولة مجرد ردود فعل ظرفية، لا تُفضي إلى معالجة جذرية.
الجماعات المحلية في قفص الاتهام
في حادثة الصخيرات، كما في حوادث مماثلة وقعت في مدن كطنجة، برشيد، خنيفرة، وتارودانت، تجد الجماعات الترابية نفسها في موقع المسؤول الأول عن تدبير هذا النوع من القضايا، لكنها كثيرًا ما تختبئ خلف عبارات “ضعف الموارد” و”غياب الصلاحيات البيطرية” و”انتظار تعليمات الوزارة”.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه في تقاريره إلى غياب استراتيجية وطنية مندمجة لتدبير مخاطر الكلاب الضالة، وسوء تدبير الموارد المرصودة لذلك، خصوصًا في مجال التعاقد مع الشركات الخاصة أو الجمعيات الشريكة.
دعوات لتدخل ملكي وتعديل تشريعي
في ظل توالي الكوارث الناتجة عن هذه الظاهرة، بدأت بعض الأصوات ترتفع، من فاعلين جمعويين ومنتخبين، لمطالبة الدولة بتدخل مركزي عاجل، سواء من خلال وضع قانون جديد لتدبير الصحة الحيوانية في الوسط الحضري، أو عبر إحداث صندوق خاص للتدخل الاستباقي في المناطق المهددة بانتشار الكلاب الضالة.
كما ظهرت دعوات تطالب بتدخل ملكي لإعطاء دفعة قوية لهذا الملف، باعتبار أن “سلامة المواطن فوق كل اعتبار”، وأن ما يقع لا يليق بصورة بلد يسوّق نفسه كوجهة آمنة ومستقرة.
طفل وزان.. شهيد الإهمال المؤسساتي
قصة الطفل القادم من وزان لا تختلف كثيراً عن قصص مغاربة كثر سقطوا ضحايا للكلاب الضالة، من بينهم أطفال صغار في القرى، نساء تعرضن لهجوم أثناء جمع الحطب، وشيوخ لم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم.
غير أن ما يجعل هذه القصة أكثر فداحة، هو أنها وقعت في حي مأهول وليس في منطقة نائية، ما يُبرز أن الخطر أصبح يمشي بيننا في الأحياء والأسواق والحدائق، دون أي رد فعل مؤسساتي يرقى إلى خطورة الوضع.
هل نحن بحاجة إلى مأساة جديدة حتى نتحرك؟
ما وقع في الصخيرات لا يمكن أن يُعتبر حادثًا معزولًا أو قضاءً وقدرًا، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتقصير في تدبير الشأن المحلي. والأسئلة التي يطرحها المواطن اليوم بسيطة ولكنها مُحرجة:
-
إلى متى سننتظر سقوط ضحية جديدة حتى نتحرك؟
-
من يتحمل مسؤولية أرواح المغاربة الذين يعيشون يوميًا تحت تهديد “الكلاب المتشردة”؟
-
أين الجماعات المنتخبة من وعودها بتوفير بيئة آمنة؟
ربما حان الوقت لنُدرك أن سلامة المواطن ليست بندًا ثانويًا في جدول عمل المجالس، بل هي أساس وجودها.