التعليم العالي في المغرب أمام امتحان الحقيقة: وزير التعليم العالي يكشف أرقامًا صادمة ويُشخص الأعطاب البنيوية
في لحظة مفصلية تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة التعليم العالي بالمغرب، قدم عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عرضًا بالغ الأهمية أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، صباح اليوم الأربعاء، كشف فيه عن معطيات صادمة وواقع مقلق يؤكد أن التعليم الجامعي المغربي يقف على عتبة أزمة بنيوية مركبة، تحتاج إلى إصلاح شامل وعاجل.
تغيبات جماعية وهدر جامعي مخيف
أبرز ما توقف عنده الوزير خلال عرضه هو نسبة التغيب المرتفعة في صفوف الطلبة الجامعيين، حيث أشار إلى أن 40٪ من الطلبة يتغيبون عن اجتياز امتحانات السداسي الأول، ما يشكل، حسب الوزير، مؤشرًا خطيرًا على ضعف الارتباط بين الطالب والمؤسسة الجامعية، بل وأحيانًا على انعدام النية في متابعة التكوين من الأساس.
الوزير لم يكتف بالتوقف عند النسب، بل تحدث بصراحة عن ظاهرة التسجيل الصوري، حيث يلجأ بعض الطلبة إلى التسجيل فقط من أجل الحصول على المنحة الجامعية، دون أي رغبة حقيقية في التحصيل أو الحضور، ما يشكل عبئًا على ميزانية الدولة، ويخل بالتوازنات الأكاديمية داخل المؤسسات.
أكثر من ذلك، كشف الميداوي أن نسبة الهدر الجامعي قد بلغت 49٪، أي أن نصف من يلتحقون بالجامعة لا يستكملون مسارهم الجامعي، وهو ما يعكس، وفق تصريحه، إشكالات عميقة ترتبط بمنظومة التوجيه، وتوزيع الشعب والتخصصات، وجودة التأطير، إضافة إلى الفوارق الاجتماعية والمجالية التي لا تزال تقف حائلًا أمام استمرارية العديد من الطلبة.
جامعات ترفض صرف الميزانية!
وفي واحدة من المفارقات اللافتة التي توقف عندها الوزير، أكد أن عدداً من الجامعات تمتنع عن صرف الميزانية التي تخصصها لها الدولة، لأسباب غير واضحة، في الوقت الذي تعاني فيه مؤسسات التعليم العالي من نقص حاد في الموارد، واكتظاظ مهول، وخصاص في التأطير البيداغوجي والإداري.
هذا السلوك الإداري، الذي وصفه البعض بـ”اللامسؤول”، يطرح علامات استفهام كبرى حول الحكامة الجامعية، وطريقة تدبير الشأن المالي داخل الجامعات المغربية، ويعكس، في نظر المتتبعين، الحاجة الماسة إلى إرساء نظام رقابة ومساءلة صارم لضمان استغلال الميزانيات المخصصة للقطاع في الأوجه الصحيحة.
غياب نظام معلوماتي مركزي.. “لا أحد يعرف عدد الطلبة الحقيقيين”
وجه الوزير انتقادات مباشرة لواقع ضعف البنية المعلوماتية داخل الجامعات المغربية، موضحًا أن عدداً من الأنوية الجامعية لا تتوفر على نظام معلوماتي فعّال يمكن الوزارة من معرفة المعطيات الحقيقية حول أعداد الطلبة، توزعهم حسب الشعب، نسب النجاح والرسوب، أو حتى تتبع المنح.
وأوضح الميداوي أن هذا الخلل لا يسمح باتخاذ قرارات دقيقة أو تنفيذ إصلاحات مبنية على بيانات واقعية، ما يعطل فعليًا كل محاولات التخطيط الاستراتيجي أو التطوير الأكاديمي على أسس علمية.
اكتظاظ خانق.. وأستاذ لكل 250 طالب!
وضع الوزير الميداوي الأصبع على جرح الاكتظاظ الحاد الذي تعرفه المؤسسات الجامعية، مشيرًا إلى أن متوسط عدد الطلبة في الجامعات يتراوح بين 80 ألف و160 ألف طالب، وهو رقم ضخم لا تسمح البنيات التحتية المتوفرة حاليًا باستيعابه بالشكل المطلوب.
فيما أكد أن المعدل الوطني هو 95 ألف طالب لكل جامعة، أي ما يعادل حجم مدينة متوسطة، دون أن يتوفر لهذا العدد المهول من الطلبة ما يكفي من المدرجات، المختبرات، المرافق الصحية، السكن الجامعي، أو التأطير التربوي.
وعلى مستوى التأطير البيداغوجي، كشف الميداوي عن رقم يثير القلق، مفاده أن الأستاذ الجامعي الواحد يُكلف بتدريس حوالي 250 طالباً، فيما يُخصص موظف إداري واحد لكل 300 طالب، وهي أرقام بعيدة جدًا عن المعدل العالمي الذي يتراوح، حسب الوزير، بين أستاذ واحد لكل 10 إلى 15 طالباً، ما يجعل من المستحيل تقريبًا تحقيق تعليم عالي الجودة.
تشتت جامعي على المستوى الترابي
تطرق الوزير أيضًا إلى التشتت الترابي الكبير للجامعات، والذي يُضعف من فرص التنسيق والتكامل بينها، ويزيد من معاناة الطلبة، خاصة في الجهات التي لا تتوفر على مؤسسات قريبة من أماكن إقامتهم.
وأوضح أن هذا التشتت يجعل من الصعب اعتماد نموذج جامعي مندمج، ويكرّس الفوارق بين الجهات، خصوصًا بين محور الرباط-الدار البيضاء وباقي المناطق التي لا تزال تعاني من هشاشة البنية الجامعية.
إشارات إيجابية في ظل الوضع القاتم
رغم كل هذا الواقع القاتم، لم تخل مداخلة الوزير من إشارات إيجابية، إذ أكد أن الجامعة المغربية باتت تحظى باعتراف دولي متزايد، وتُنافس نظيراتها إقليميًا ودوليًا في بعض التخصصات، خاصة الطب، والاقتصاد، والتدبير.
وأشار إلى أن عدداً من الجامعات المغربية استطاعت جذب كفاءات من دول إفريقية وآسيوية، ما يفتح آفاقًا واعدة أمام التعليم العالي كمصدر إشعاع إقليمي، ويعزز دور المغرب كفاعل أكاديمي في إفريقيا جنوب الصحراء.
تحديات المنح الجامعية تطرح من جديد
الوزير لم يُغفل في عرضه التطرق إلى ملف المنح الجامعية، الذي يُثير الجدل بشكل دائم داخل الأوساط الطلابية، حيث تحدث عن معايير وشروط توزيع المنح، وطريقة تدبيرها على مستوى العمالات والأقاليم، في ظل تباين واضح بين الجهات في نسب الاستفادة، وضعف التواصل حول الأسس المعتمدة في التوزيع.
وشدد الميداوي على ضرورة إعادة النظر في سياسات الدعم الاجتماعي للطلبة، بما يضمن استهداف المستحقين فعلاً، والحد من ظاهرة الاستفادة غير المستحقة التي تؤدي إلى هدر المال العام.
نحو إصلاح جذري للتعليم العالي؟
في ختام مداخلته، دعا الوزير إلى ضرورة فتح ورش وطني شامل لإصلاح التعليم العالي، يشارك فيه الجميع: الدولة، الجامعات، الأساتذة، الطلبة، والنقابات، مع التركيز على تحقيق جودة التكوين، وربط الجامعة بسوق الشغل، وضمان حكامة رشيدة في التدبير.
وأكد أن أي إصلاح لن يُكتب له النجاح إلا بتوافر إرادة سياسية واضحة، وضخ استثمارات حقيقية، والاعتماد على معطيات دقيقة من أجل بلورة سياسات تعليمية ناجعة.