محمد زيان أمام القضاء مجددًا.. تخفيض الحكم إلى 3 سنوات في قضية اختلاس وتبديد أموال عمومية
في ساعة مبكرة من صباح الخميس، أسدلت محكمة الاستئناف بالرباط الستار عن إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل على الساحة الحقوقية والسياسية المغربية، وذلك بتخفيض الحكم الصادر في حق النقيب ووزير حقوق الإنسان الأسبق محمد زيان من خمس سنوات إلى ثلاث سنوات حبسا نافذا، في القضية المرتبطة باختلاس وتبديد أموال عمومية.
هذا القرار يأتي في وقت يقضي فيه زيان، البالغ من العمر 83 سنة، عقوبة سجنية أخرى صادرة في قضية منفصلة، ليبقى خلف أسوار سجن العرجات حيث يتابع في حالة اعتقال منذ أشهر.
الحكم الجديد.. بين التخفيف والدمج
قرار محكمة الاستئناف القاضي بخفض العقوبة يأتي ليشكل تحولًا في سير القضية التي شغلت الرأي العام، بعدما كانت النيابة العامة قد طالبت في جلسات سابقة بتشديد الحكم الابتدائي الصادر في يوليوز 2024، والذي قضى بسجنه خمس سنوات نافذة، بالنظر إلى ما وصفته بـ”خطورة الأفعال” المتعلقة بـتبديد أموال الحزب المغربي الحر، الذي سبق أن ترأسه زيان قبل أن يدخل في صراعات تنظيمية وقضائية انتهت بعزله.
ورغم تخفيض الحكم، لا يزال زيان يقضي عقوبة سالبة للحرية في قضية سابقة، ما يجعل مسألة الإفراج عنه مرتبطة بـدمج العقوبات السجنية المحكوم بها، وهو ما قد يفتح الباب أمام إمكانية الإفراج عنه في نونبر المقبل، إذا ما تم احتساب مدد السجن المقررة فعليًا وفقًا للضوابط القانونية المعمول بها.
خلفيات القضية: حزب يتهم ووزير سابق يُدان
القضية التي تُحاكم فيها شخصية من عيار محمد زيان ليست عادية. فهي تجمع بين شبهة الفساد المالي وبين تداعيات صراعات حزبية وشخصية، وتطرح تساؤلات حول مدى استقلالية الأحزاب الصغرى، وطرق تدبيرها للمال العام، وغياب آليات الرقابة الداخلية.
الاتهامات التي لاحقت زيان تمحورت أساسًا حول سوء تدبير مالية الحزب المغربي الحر، وهي أموال تُصرف من ميزانية الدولة، مخصصة لدعم الأحزاب السياسية. ووفق محاضر البحث، فقد تم رصد اختلالات مالية جسيمة خلال الفترة التي كان فيها زيان أمينًا عامًا للحزب، ما دفع القضاء إلى التحرك بعد شكايات وتبليغات صادرة عن قيادات حزبية جديدة ومعطيات قدمتها وزارة الداخلية.
الرمز السياسي الذي أثار الجدل
محمد زيان، المعروف بمواقفه الصدامية تجاه السلطة، وبحضوره الدائم في الملفات الحقوقية الشائكة، ظل لسنوات شخصية مثيرة للجدل، سواء من داخل قبة البرلمان حين كان وزيرًا لحقوق الإنسان، أو من خلال تصريحاته الإعلامية النارية بعد مغادرته للحكومة، أو حتى من خلال دفاعه عن نشطاء حراك الريف وغيرهم.
وقد وظف زيان، منذ بداية محاكمته، كل أدواته القانونية والإعلامية للدفاع عن نفسه، متهمًا خصومه بـ”تصفية حسابات سياسية”، بينما تمسكت النيابة العامة والمؤسسات الرسمية بما اعتبرته “أدلة مادية موثقة”، تثبت تورطه في خروقات مالية.
ردود أفعال… بين الصمت والتعليق الحذر
حتى الآن، لم يصدر عن هيئة دفاع زيان أي تعليق رسمي حول الحكم الجديد، في حين فضلت أغلب الأحزاب والمؤسسات الحقوقية الصمت، في ظل مناخ سياسي حذر وتخوف من توظيف الموضوع في سياقات غير قانونية أو انتخابية.
بالمقابل، رأت بعض الأصوات أن تخفيض الحكم قد يكون رسالة مزدوجة من القضاء: من جهة تأكيد استقلاليته، ومن جهة أخرى مراعاة الوضعية الصحية والعمرية للمعني بالأمر، الذي تجاوز الثمانين عامًا.
هل يكون نونبر نهاية فصول القضية؟
مع إمكانية دمج العقوبات السجنية المحكوم بها على محمد زيان، قد يشهد شهر نونبر المقبل الإفراج عنه، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه النهاية القانونية ستضع حدًا نهائيًا لمسيرته المثيرة، أم أن زيان، حتى بعد خروجه من السجن، سيعود إلى الواجهة السياسية والحقوقية كما فعل في محطات سابقة.
ومهما تكن مآلات هذه القضية، فإنها تظل واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في المشهد السياسي المغربي، حيث تداخل فيها ما هو قانوني بما هو رمزي، لتعيد إلى الواجهة أسئلة الحوكمة الحزبية، ورقابة المال العام، وشفافية الممارسة السياسية في بلد يسعى جاهدًا لترسيخ دولة المؤسسات والقانون.