في خطوة تعكس عمق التعاون الثنائي بين المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، وافق مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، برئاسة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، على ثلاث اتفاقيات هامة تم توقيعها مع الجانب المغربي، تتعلق بالمساعدة القضائية المتبادلة في المسائل الجنائية، وتسليم المطلوبين، ونقل المحكوم عليهم بين البلدين.
وقد تم توقيع هذه الاتفاقيات بتاريخ 13 نونبر 2024 في العاصمة السعودية الرياض، خلال زيارة رسمية قادها وفد مغربي رفيع المستوى ترأسه وزير العدل عبد اللطيف وهبي. من الجانب السعودي، وقع الاتفاقيات وزير الداخلية، الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف آل سعود، في إشارة واضحة إلى الأهمية الكبيرة التي توليها الدولتان لتعزيز التعاون الأمني والقضائي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المشتركة.
مضامين الاتفاقيات الثلاث
الاتفاقية الأولى تنظم المساعدة القضائية المتبادلة في القضايا الجنائية، وتشمل توفير الدعم المتبادل في مجالات التحري والتحقيق، وتبادل الأدلة والمعلومات الجنائية، بالإضافة إلى دعم إجراءات التقاضي بين الجانبين. وتهدف هذه الاتفاقية إلى تسريع وتيرة التعاون في القضايا ذات الطابع الجنائي، وتيسير التنسيق بين أجهزة العدالة في كلا البلدين.
أما الاتفاقية الثانية، فهي تعنى بتسليم المطلوبين، حيث تم وضع إطار قانوني واضح ينظم آلية تسليم الأشخاص الذين صدرت في حقهم أوامر اعتقال أو أحكام قضائية نهائية في إحدى الدولتين، بما ينسجم مع القوانين الداخلية لكلا البلدين، والاتفاقيات الدولية التي صادقا عليها. وتهدف هذه الاتفاقية إلى الحد من ظاهرة الإفلات من العقاب، وتكريس العدالة الجنائية العابرة للحدود.
الاتفاقية الثالثة تتعلق بنقل المحكوم عليهم، حيث أصبح بإمكان الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام قضائية بالسجن في إحدى الدولتين قضاء محكوميتهم في بلدهم الأصلي، وفقًا لشروط وإجراءات قانونية متفق عليها. وتُعتبر هذه الخطوة ذات بعد إنساني واجتماعي، حيث تتيح للمحكوم عليهم فرصة قضاء فترة العقوبة بالقرب من ذويهم وداخل بيئة ثقافية واجتماعية مألوفة، كما أنها تسهل عمليات إعادة الإدماج والتأهيل بعد انتهاء فترة العقوبة.
أهداف استراتيجية وتعاون متقدم
وتندرج هذه الاتفاقيات في إطار رؤية أشمل لتعزيز التنسيق القضائي والأمني بين المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية، بما يسهم في مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وملاحقة المجرمين أينما كانوا، وتبادل المعلومات والخبرات بين الأجهزة المختصة. كما تأتي هذه الخطوة انسجامًا مع الرغبة المشتركة في دعم استقرار وأمن البلدين، خصوصًا في ظل ما يشهده العالم من تزايد في التحديات الأمنية مثل الإرهاب، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات.
وأكدت الجهات الرسمية في كلا البلدين أن هذه الاتفاقيات تعكس التزامًا راسخًا باحترام سيادة القانون، وتكريس قيم العدالة الجنائية، وتعزيز التعاون الدولي في إطار مبادئ الشفافية، والمصداقية، والمسؤولية المشتركة.
انعكاسات مستقبلية

من المتوقع أن تفتح هذه الاتفاقيات آفاقًا جديدة للتعاون الثنائي، ليس فقط في المجال القضائي، بل في ميادين أخرى تشمل تبادل الكفاءات القانونية، وتنظيم الدورات التدريبية، وتعزيز قدرات القضاة وأجهزة النيابة والأمن، إضافة إلى العمل على توحيد الرؤى القانونية حيال الجرائم المستجدة في العصر الرقمي مثل الجرائم الإلكترونية.
وتأتي هذه المبادرة في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية السعودية طفرة نوعية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما يعزز دور البلدين في ترسيخ الاستقرار بالمنطقة العربية، ودعم جهود التنمية ومكافحة الجريمة، ضمن إطار من الاحترام المتبادل والتعاون البناء.
في الختام، تشكل هذه الاتفاقيات خطوة استراتيجية على درب تعزيز الشراكة بين الرباط والرياض، وتمثل نموذجًا يُحتذى به في مجال التعاون القضائي الإقليمي والدولي، بما يخدم المصالح العليا للشعبين الشقيقين، ويُكرس أسس العدالة والأمن وسيادة القانون.