دراسة حديثة تكشف عن مفارقات في مواقف المغاربة تجاه حرية المرأة بين الفضاءين الخاص والعام
كشفت دراسة حديثة أعدتها مؤسسة “منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية”، تحت عنوان “النساء، الفضاء العام والحريات الفردية”، عن مفارقات لافتة في مواقف المغاربة تجاه حرية المرأة. وأظهرت الدراسة أن هناك تأييدًا كبيرًا لحرية المرأة في الفضاء الخاص، لكن في المقابل، تواجه هذه الحرية رفضًا ملحوظًا عندما يتعلق الأمر بالفضاء العام.
الحرية داخل البيت: تأييد واسع ورفض في الفضاء العام
وفقًا لنتائج الدراسة، عبّر 67% من المشاركين عن تأييدهم لحرية المرأة في التصرف بجسدها داخل الفضاء الخاص، وهو ما يعكس دعماً لمفهوم الحرية الشخصية للمرأة في الحياة الخاصة. ومع ذلك، يبدو أن الوضع يختلف بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بالفضاء العام، حيث عبر 55% من المشاركين عن رفضهم لهذه الحرية في الأماكن العامة، بينما أيدها 42% فقط.
وتظهر الدراسة أيضًا تباينات بين مختلف المناطق في المغرب، حيث تتباين مواقف سكان المدن وسكان القرى تجاه حرية المرأة في الفضاء العام. ففي الوسط الحضري، أبدى 33% من سكان المدن تأييدًا لحرية المرأة في الفضاء العام، بينما انخفض هذا الرقم إلى 20% فقط في الوسط القروي، مما يعكس الاختلافات الثقافية والاجتماعية بين المناطق الحضرية والقروية.
الاختلافات بين الفئات العمرية: الشباب الأكثر دعماً
تُظهر الدراسة كذلك اختلافًا واضحًا بين الفئات العمرية في مواقفها تجاه حرية المرأة. فالشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، هم الفئة الأكثر دعماً لهذه الحريات، حيث أبدى حوالي 10% من هذه الفئة تأييدًا قويًا لحرية المرأة في الفضاء العام. في المقابل، أبدت أقل من 1% من الفئة العمرية التي تجاوزت 65 عامًا نفس الموقف، ما يعكس التفاوت الكبير في التوجهات بين الأجيال.
التحرش: ظاهرة حضرية تؤثر بشكل خاص على الشابات
من بين النتائج البارزة التي كشفت عنها الدراسة، تم التأكيد على ظاهرة التحرش في الفضاءات العامة. حيث اعتبرت 82% من النساء أنهن الأكثر عرضة للتحرش في الأماكن العامة، وهو ما وافق عليه 81% من الرجال أيضًا، ما يعكس شعورًا عامًا بالقلق من هذه الظاهرة.
وأظهرت الدراسة أن التحرش يُعد ظاهرة حضرية بامتياز، حيث تصل نسبته إلى 20% في المدن الكبرى، مقارنةً بـ 10% فقط في المناطق القروية. كما بينت النتائج أن الشابات بين 18 و34 سنة هن الأكثر تعرضًا لهذه الظاهرة، وهو ما يتطلب إعادة النظر في السياسات الاجتماعية والقانونية لحماية النساء من هذه الانتهاكات.
الحجاب: ترسيخ للتقاليد أم تعبير عن الاختيار الشخصي؟
موضوع الحجاب شكل أيضًا محورًا مهمًا في الدراسة، حيث أيدت غالبية المشاركين، بنسبة 66.8%، ارتداء الحجاب في الفضاء العام. وقد اعتبر هؤلاء أن الحجاب يعكس التزامًا بالتعاليم الدينية والأخلاقية، كما يُعد رمزًا للستر والوقار. وارتفعت نسبة المؤيدين لارتداء الحجاب بشكل ملحوظ مع ارتفاع المستوى التعليمي للمشاركين، مما يشير إلى أن التصورات حول الحجاب قد تختلف حسب الخلفيات الثقافية والتعليمية.
وفي الوقت ذاته، عبّر أكثر من 71.6% من المشاركين عن قناعتهم بأن ممارسة المرأة لحرياتها الفردية يجب أن تكون حقًا طبيعيًا لها، دون أي ضغوط أو قيود، مُعتبرين أن ذلك يعكس استقلاليتها ورفضها لأي تدخل في حياتها الخاصة. وقد عبر أقل من 13.2% من المشاركين عن رأي مفاده أن تلك الحريات تُعد نوعًا من الفوضى أو الانفلات، في حين بقي حوالي 15% دون موقف واضح، ما يعكس حالة الانقسام في المجتمع المغربي حول هذه القضايا.
المرجعيات: الجمع بين الشريعة وحقوق الإنسان
أما فيما يخص المرجعيات التي يجب أن تؤطر وضعية المرأة في المجتمع المغربي، فقد تبنّى 45.1% من المستجوبين موقفًا توفيقيًا، معتبرين أن الجمع بين الشريعة الإسلامية ومبادئ حقوق الإنسان هو الحل الأمثل لتنظيم وضعية المرأة في المجتمع. في حين قال 33.2% إن وضعية المرأة ستكون أفضل بتطبيق الشريعة فقط، وهو ما يعكس توجهًا يفضل الرجوع إلى التفسير الديني الصارم في معالجة قضايا المرأة. بينما يفضل 14.9% من المشاركين تبني المرجعية الحقوقية الحصرية في التعامل مع هذه القضايا.
الخصوصية الثقافية: التوازن بين الحريات والتقاليد
من النقاط المثيرة للاهتمام التي أظهرتها الدراسة هو التوجه العام الذي يدعو إلى احترام العادات والتقاليد المحلية عند التعامل مع قضايا حرية المرأة. حيث أيدت أغلبية ساحقة من المشاركين، بنسبة 86.8%، ضرورة احترام العادات والتقاليد المحلية في معالجة قضايا المرأة وحرياتها. مقابل هذا الموقف، لم تتجاوز نسبة الرافضين لهذا الاعتبار 6.2%، وهو ما يعكس تمسكًا قويًا بالتقاليد الاجتماعية في المغرب، رغم وجود توجهات تدعو إلى تحديث هذه الأنماط الاجتماعية.
تحديات حقيقية في مواجهة الحريات الفردية للمرأة
بناءً على نتائج هذه الدراسة، يتضح أن المغرب يواجه تحديات حقيقية في مجال دعم حرية المرأة، سواء في الفضاء الخاص أو العام. ففي الوقت الذي يظهر فيه دعم واسع لحرية المرأة في المنزل والفضاء الخاص، إلا أن الفضاء العام لا يزال يعكس حالة من التردد والتأثيرات الثقافية والدينية التي تعيق تقدم هذه الحريات.
على الرغم من ذلك، فإن تزايد دعم الحريات الفردية في الأجيال الشابة وتزايد الوعي بحقوق المرأة قد يكون مفتاحًا لتغيير هذه المواقف في المستقبل. ويبقى الأمل معقودًا على استمرار النقاشات المجتمعية والقانونية حول حقوق المرأة في المغرب، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحريات الفردية والخصوصية الثقافية للمجتمع.