في أجواء احتفالية ممتزجة بروح التقاليد الصحراوية، تواصلت يوم أمس السبت فعاليات الدورة العشرين من المهرجان الدولي للرحل بمدينة محاميد الغزلان، من خلال تقديم عرض رياضي فريد من نوعه، أعاد للحضور عبق الماضي وروح التحدي التي لطالما ميزت حياة البدو الرحل. وقد شهدت صحراء درعة مباراة في رياضة هوكي الرمال المعروفة محليًا بـ”المكحاش”، أعقبها سباق استعراضي للهجن، في مشهد أثار إعجاب جمهور متنوع جاء من داخل المغرب وخارجه لاكتشاف هذا التراث الفريد.
“المكحاش”.. رياضة الأصالة والانتماء
كانت مباراة “المكحاش” من أبرز محطات اليوم، حيث تنافس فريقان في جو من الحماس والمتعة، في رياضة تراثية صحراوية ضاربة في عمق الزمن، ظل الرحل يمارسونها لقرون طويلة كنوع من الترفيه الجماعي بعد يوم طويل من التعب والتنقل. تُلعب هذه الرياضة على الرمال، وغالبًا ما يتكون كل فريق من خمسة لاعبين، يتبارزون بعصي من الخشب (المكاحيش) في محاولة لدفع الكرة نحو مرمى الخصم.
إسماعيل، أحد لاعبي فريق محاميد الغزلان، والذي يشغل مركز مدافع، تحدث للصحافة عقب المباراة قائلاً: “المكحاش ليست مجرد لعبة، إنها جزء من ثقافتنا، ترمز للتعاون والتضامن بين أفراد الفريق، وتعلمنا منذ الصغر قيم الانتماء والصبر والمنافسة الشريفة”. وأوضح أن المباراة تدوم عادةً حوالي أربعين دقيقة، تنقسم إلى شوطين، لكن ما يميزها فعلاً هو الروح الجماعية والانصهار في التراث.

دهشة الزوار.. حين تلتقي الرياضة بالثقافة
ومن بين الحاضرين الذين أثارت هذه الرياضة انتباههم، ستيفان، زائر ألماني يشارك في المهرجان للمرة الثالثة. وقد عبر عن دهشته الكبيرة بهذه اللعبة التي لم يسمع عنها من قبل. وقال في تصريح مماثل: “لم أكن أعلم أي شيء عن المكحاش، لكن ما إن بدأت المباراة حتى أحسست أنني أمام طقس جماعي له دلالات ثقافية عميقة. سألت بعض الشباب من أبناء المنطقة، واكتشفت أن الأمر يتجاوز مجرد منافسة رياضية، إنها طقوس اجتماعية تُمارس بروح من الفخر والانتماء”.
وأشار ستيفان إلى أنه جاء هذا العام ليس فقط لحضور العروض الفنية، بل من أجل التعمق أكثر في مظاهر الحياة الصحراوية وتوثيقها، قائلاً: “الصحراء ليست فقط رمالاً وهدوءاً، بل هي ذاكرة حية وثقافة تستحق الاكتشاف”.
الجِمال.. رموز الرحل تستعرض مجدها
وبعد أن هدأت ساحة “المكحاش”، توجهت أنظار الحضور إلى مضمار الهجن، حيث انطلقت سباقات الجمال وسط تصفيقات الجمهور وصيحات الإعجاب. هذه الفقرة كانت بمثابة استعراض فني ورياضي في آن، حيث أبان الفرسان الصحراويون عن مهاراتهم العالية في قيادة الجمال واستحضار تقاليد الفروسية الصحراوية المتوارثة عبر الأجيال.
الجمال لم تكن في يوم من الأيام مجرد وسيلة نقل للرحل، بل هي جزء من كيانهم الاجتماعي والثقافي، وهي مرتبطة بالمكانة، بالقوة، بالقدرة على التحمل، وبتاريخ طويل من التعايش بين الإنسان والصحراء. ولهذا جاءت هذه السباقات لتعيد الاعتبار لهذه العلاقة المتجذرة، ولتُبرز للزوار جماليات التنقل الصحراوي الذي يشكل أحد أهم مكونات الحياة البدوية.

إشعاع ثقافي وتراث غير مادي
هذه الأنشطة تُعدّ من بين أبرز الفقرات الموازية التي يحتضنها المهرجان، وهي تندرج ضمن تصور شامل يرمي إلى التعريف بجوانب التراث غير المادي للجنوب المغربي، وإعادة تسليط الضوء على أنماط الحياة الصحراوية التي كادت أن تندثر لولا مثل هذه المبادرات الثقافية. فالمهرجان، الذي تنظمه جمعية “رحل العالم” بشراكة مع فاعلين محليين ودوليين، لا يقتصر على الجانب الفني، بل يسعى إلى توثيق وتعزيز مظاهر الحياة البدوية، من الرياضة إلى الفنون، ومن الطبخ إلى الموسيقى، مرورًا بالطقوس والاحتفالات.
المهرجان كجسر بين الثقافات
ومع توالي فعالياته، يثبت المهرجان الدولي للرحل في نسخته العشرين مكانته كحدث ثقافي وإنساني فريد من نوعه، يجمع بين المحلي والعالمي، ويحتفي بروح التعدد والانفتاح. فوسط الرمال، تلتقي ثقافات من مختلف أنحاء العالم، يربط بينها شغف الاكتشاف ورغبة حقيقية في الغوص في عوالم بدت للبعض بعيدة أو منسية.
إن الألعاب الصحراوية، مثل “المكحاش”، وسباقات الهجن، ليست فقط وسيلة للتسلية أو الفرجة، بل هي مرايا تعكس هوية جماعية، وذاكرة مشتركة، وتحمل في طياتها رسائل قوية حول أهمية الحفاظ على التراث، والاعتزاز بالجذور، والانفتاح على الآخر دون التفريط في الذات.
ويؤكد المنظمون أن المهرجان بات يشكل، سنة بعد أخرى، منصة للحوار الثقافي وتثمين التراث الإنساني المشترك، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الثقافات المحلية في عصر العولمة. ولهذا لا غرابة أن تتقاطع في محاميد الغزلان أصوات الغيوان مع إيقاعات الطوارق، وأن تتجاور رقصات الركبة مع فنون أوروبا وآسيا، في احتفاء جامع بالإنسان ككائن يبحث عن الانتماء والجمال.
في الختام..
يبقى مهرجان الرحل، من خلال عروضه المتنوعة التي تلامس مختلف جوانب الحياة الصحراوية، تجسيدًا حقيقيًا لفكرة أن الصحراء ليست فراغًا جغرافيًا، بل فضاءً غنيًا بالرموز والمعاني. وتبقى أنشطة مثل “المكحاش” وسباقات الهجن خير دليل على أن الرياضة، كما الفن، يمكن أن تكون جسورًا حقيقية بين الأجيال، والقبائل، والثقافات.