قضية سعيد الناصري: ملفات ثقيلة أمام العدالة ومساءلة حول سيارة فاخرة تكشف خيوط شبكة معقدة
في تطورات مثيرة تتعلق بالملف القضائي للرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي والنائب البرلماني السابق عن حزب الأصالة والمعاصرة، سعيد الناصري، واصلت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم الجمعة، جلسات الاستماع في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشعباً، حيث يُتابَع الناصري بتهم متعددة تتراوح بين التزوير، استغلال النفوذ، تهريب المخدرات، ومخالفات في الصرف والتجارة الدولية.
وخلال جلسة الجمعة، تمحورت أسئلة هيئة الحكم التي يرأسها القاضي علي الطرشي، حول ظروف اقتناء واستعمال سيارة فاخرة من نوع مرسيدس سوداء اللون، أثارت كثيراً من الشكوك القانونية والإعلامية بسبب الغموض المحيط بالبطاقة الرمادية الخاصة بها وظروف دخولها إلى المغرب.
الناصري يدافع عن نفسه: “أتوفر على جميع الوثائق”
وفي معرض دفاعه عن نفسه، صرّح سعيد الناصري أمام الهيئة القضائية بأن الوثائق المتعلقة بالسيارة الفاخرة قانونية وسليمة، مبرزاً أن صاحب شركة لبيع وكراء السيارات، المسمى (عبد اللطيف.ف)، أكد أمام الضابطة القضائية بأنه لم يسبق له بيع سيارة فاخرة للناصري، في حين تؤكد الوثائق التي يتوفر عليها هذا الأخير عكس ذلك.
وأضاف أن السيارة المعنية خرجت من ألمانيا شهر يونيو 2014، أي في نفس الفترة التي قال فيها إن لطيفة رأفت قادتها، وهو ما اعتبره الناصري “ادعاءً كاذباً”، مشيراً إلى أن هذه الأخيرة كانت قد انفصلت حينها عن شخص يُلقب بـ”إسكوبار الصحراء”، بارون مخدرات معروف.
عقود بيع متضاربة وشهادات متناقضة
المثير في تصريحات الناصري، هو استحضاره لأسماء متعددة، منها كريم عياد و الحاج ابن إبراهيم، الذين ادعى أنهم اجتمعوا من أجل بيع السيارة المذكورة، مشيراً إلى أنه أودع لدى إدارة الجمارك جميع الوثائق المطلوبة، بما في ذلك عقود البيع وشهادات التسجيل، مما يُعزّز، وفقاً له، مشروعية حيازته للسيارة.
وفي تطور آخر، طالب الناصري هيئة المحكمة باستدعاء المدعو كريم.ع للاستماع إلى إفادته حول وقائع البيع وظروفها، متهماً الحاج ابن إبراهيم بـ”الإدلاء بادعاءات كاذبة” و”التحامل عليه”.
كما اعتبر أن الجهة الوحيدة المخولة قانونياً للحسم في صحة البطاقة الرمادية للسيارة هي مركز تسجيل السيارات، الذي يُوثق بدقة تاريخ دخول واستعمال كل مركبة بالمغرب.
تهم ثقيلة: التزوير، المخدرات، واستغلال النفوذ
لا تتوقف القضية عند حدود السيارة الفاخرة، إذ يواجه سعيد الناصري لائحة من التهم الثقيلة والمتعددة الأبعاد، تتعلق أساساً بـ:
- التزوير في محررات رسمية واستعمالها لأغراض غير قانونية (الفصلان 354 و356 من القانون الجنائي).
- استغلال منصبه النيابي السابق في عمليات توصف بـ”المشبوهة” (الفصل 250).
- المشاركة في تصدير ونقل المخدرات ومحاولة تصديرها (ظهير 21 ماي 1974).
- النصب ومحاولة النصب، في قضايا لم تكشف المحكمة تفاصيلها الكاملة بعد.
- الضغط على شهود وتحريضهم على الإدلاء بتصريحات كاذبة.
- إخفاء أشياء متحصل عليها من جنحة.
وبالإضافة إلى ذلك، يُتابَع الناصري وفق مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة بتهم من العيار الثقيل تشمل:
- محاولة تصدير المخدرات بدون ترخيص والمشاركة فيها (الفصول 279 مكرر مرتين، و279 مكرر ثلاث مرات، و206، و221).
- المشاركة في استيراد عملات أجنبية بدون تصريح، وهو ما يُعد خرقاً للقوانين المالية الصادرة سنوات 1939، 1940 و1949.
- استعمال عملات أجنبية داخل التراب الوطني لأداء مصاريف أو خدمات، دون احترام الإجراءات القانونية المنصوص عليها.
القاضي يستثني بعض التهم.. لكن المتابعة مستمرة
ورغم شمولية الاتهامات، قرر قاضي التحقيق استثناء سعيد الناصري من المتابعة بخصوص بعض جوانب خرق الأحكام المتعلقة بحركة المخدرات داخل نطاق الجمارك، مستنداً على الفصل 279 مكرر مرتين، وذلك ربما لغياب قرائن كافية على مسؤوليته المباشرة في هذا الجانب بالضبط.
ومع ذلك، فإن حجم التهم الأخرى، لا سيما تلك المتعلقة بالتزوير، استغلال النفوذ، وارتباطاته المحتملة بشبكات تهريب العملة والمخدرات، تجعل من هذا الملف واحداً من أعقد القضايا التي تُعرض حالياً على أنظار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
أبعاد سياسية وقضائية متشابكة
تأخذ هذه القضية بعداً خاصاً، بالنظر إلى خلفية المتهم. فالناصري لم يكن مجرد رئيس لنادٍ رياضي عريق، بل شغل مواقع متقدمة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وكان نائباً برلمانياً، الأمر الذي يُثير تساؤلات حول مدى استغلال النفوذ السياسي في أنشطة مالية وتجارية غير مشروعة.
ويعيد الملف فتح النقاش حول حدود مساءلة المسؤولين السياسيين السابقين، وضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى بعد مغادرتهم المناصب، في سياق وطني يُشدّد على مكافحة الفساد وتعزيز استقلالية القضاء.
أسئلة تنتظر أجوبة.. والمفاجآت لا تزال واردة
مع استمرار أطوار المحاكمة، تبقى عدة أسئلة معلقة:
- هل تكشف المحاكمة عن شبكة منظمة تقف وراء صفقات مشبوهة مرتبطة بالسيارات الفاخرة وتبييض الأموال؟
- هل ستُثبت الوثائق التي قدمها الناصري صدقيته؟ أم أن المحكمة ستكتشف تزويراً محكماً في السجلات والعقود؟
- كيف ستؤثر هذه القضية على صورة الأحزاب السياسية والرياضيين السابقين المنخرطين في العمل السياسي؟
القضية أبعد من سيارة
ما يبدو في ظاهره نزاعاً حول سيارة مرسيدس فاخرة، يتخذ أبعاداً أعمق تتعلق بشبهات تزوير، غسل أموال، تهريب عملات، وتورط محتمل في شبكات تهريب مخدرات. وبينما يدافع الناصري بشراسة عن براءته، يُواصل القضاء المغربي تدقيقاته برويّة في ملف شائك متعدد الجوانب، يحمل في طياته اختباراً حقيقياً لقدرة العدالة على مواجهة الفساد أياً كان مصدره.