المسجد الحرام يشهد تثبيت كسوة الكعبة الجديدة بمناسبة حلول العام الهجري الجديد
شهد صحن المسجد الحرام بمكة المكرمة، صباح اليوم الخميس، مراسم تثبيت كسوة الكعبة المشرفة الجديدة على جوانبها الأربع، وذلك تزامناً مع دخول العام الهجري الجديد. وقد تمت العملية بإشراف مباشر من الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ووفق إجراءات دقيقة ومحكمة تليق بمقام هذا الحدث الروحي الكبير الذي يحظى بمتابعة المسلمين في أنحاء العالم.
وفور وصول الكسوة الجديدة إلى صحن الكعبة المشرفة في ساعات الصباح الأولى، شرع الفريق الفني المختص في تنفيذ خطوات تركيبها، وفق برنامج زمني دقيق، وباستخدام تقنيات عالية الدقة تضمن تثبيتها بسلاسة ومتانة على الجوانب الأربع، بما يحافظ على طابعها الفني والجمالي. وتم ذلك وسط أجواء من الخشوع والرهبة، بحضور مسؤولي الهيئة وفرق العمل المتخصصة.
جهود سعودية خالصة في صناعة الكسوة
وجرت عملية استبدال الكسوة بمشاركة وإشراف كوادر وطنية سعودية مؤهلة، حيث بلغ عدد المشاركين في تنفيذ هذه المهمة الجليلة 154 صانعاً سعودياً متخصصاً، جميعهم من العاملين في مصنع كسوة الكعبة المشرفة، التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. وتوزعت مهامهم بين الخياطة والتطريز والتركيب، ضمن منظومة عمل دقيقة تحترم المعايير الفنية والشرعية المعتمدة.
وقد استخدمت في صناعة الكسوة الجديدة مواد فاخرة وعالية الجودة، شملت ما مجموعه 825 كيلوغراماً من الحرير الطبيعي الخالص، المصبوغ باللون الأسود والمستورد خصيصاً لهذا الغرض، إلى جانب 120 كيلوغراماً من أسلاك الفضة المطلية بالذهب من عيار 24، و60 كيلوغراماً من أسلاك الفضة الخالصة، فضلاً عن نحو 410 كيلوغراماً من القطن المستخدم في التدعيم الداخلي.
جمالية النقوش وروحانية الرسالة
وتضمنت الكسوة الجديدة نقوشاً قرآنية مطرزة بعناية فائقة، باستخدام خيوط من الذهب والفضة، وفق نمط فني دقيق يراعي الجوانب الجمالية والروحية لهذا الرمز الإسلامي العريق. كما تم الحرص على تثبيت “الحِزام الذهبي” الذي يتوسط الكسوة على ارتفاع يناهز الثلث من الجدار، ويُعد من أبرز معالمها البصرية.
وتكونت الكسوة الجديدة من 47 قطعة من الحرير الأسود المنقوش، تم تطريزها يدوياً بـ68 آية قرآنية، نفّذت بخيوط الفضة المطلية بالذهب، حيث استغرق إنجازها شهوراً من العمل المتواصل داخل مصنع الكسوة بمكة المكرمة، في أقسامه المتعددة التي تجمع بين الحِرفية التقليدية العالية والدقة التقنية الحديثة.
حدث سنوي يترقبه المسلمون حول العالم
تُعد مراسم تغيير كسوة الكعبة واحدة من الشعائر المهيبة التي تتجدد سنوياً مع حلول العام الهجري، وترمز إلى عناية المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين، وحرصها على صيانة المقدسات الإسلامية وتقديمها في أبهى حلة لجموع الحجاج والمعتمرين والزوار.
ويحظى هذا الحدث بمتابعة واسعة من المسلمين في مختلف بقاع العالم، لما يمثله من رمزية عميقة في نفوس المؤمنين، باعتباره يعكس التجديد والاستمرارية في خدمة بيت الله الحرام، ويُجسد الالتزام بخدمة الحرمين الشريفين كما أوصى بذلك ملوك المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، وصولاً إلى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
تقليد عريق بخصوصية روحية
وتاريخياً، تعود عادة كسوة الكعبة إلى العصور الإسلامية الأولى، لكنها شهدت تطوراً كبيراً في المملكة العربية السعودية، خاصة بعد إنشاء مصنع خاص لكسوة الكعبة عام 1397هـ بمكة المكرمة، والذي أضحى الجهة الحصرية المسؤولة عن إنتاج وتحديث هذه الكسوة، وفق أعلى معايير الجودة والدقة، مستعيناً بكفاءات وطنية مدربة.
وتتضمن مراحل صناعة الكسوة عدة عمليات دقيقة تبدأ بتجهيز القماش وطباعته، ثم خياطته وتجميعه، قبل المرور إلى عملية التطريز اليدوي التي تُعد الأكثر تعقيداً من الناحية التقنية، وتُنفذ بالكامل داخل المصنع بأيدٍ سعودية ذات كفاءة عالية.
ومع تثبيت الكسوة الجديدة لهذا العام، تجدد المملكة التزامها الراسخ بخدمة البيت العتيق، في مشهد روحاني يتجاوز البعد المادي ليحمل في طياته رسالة حب وإجلال لهذا الرمز الأقدس في العقيدة الإسلامية.