فضيحة “هولوغرام العندليب” بمهرجان موازين: أسرة عبد الحليم حافظ تلوّح باللجوء إلى القضاء وتندد بـ”العبث الفني”
في تطور جديد ومثير للجدل، فجرت عائلة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ موجة استنكار وغضب واسع، إثر تنظيم حفل “هولوغرام” حمل اسم وصورة وصوت “العندليب الأسمر”، ضمن فعاليات مهرجان “موازين إيقاعات العالم”، مساء الإثنين الماضي، على خشبة المسرح الوطني محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط.
وفي بيان شديد اللهجة نُشر على الصفحة الرسمية لعبد الحليم حافظ على موقع فيسبوك، وصفت العائلة الحفل بأنه “مهزلة وفضيحة بكل المقاييس”، مشددة على أنها كانت قد حذرت إدارة المهرجان مسبقاً من المضي قدماً في هذا المشروع دون الحصول على موافقتها القانونية الصريحة.
◾ هجوم لاذع من عائلة العندليب: “كرتون يغني على المسرح”
المنشور الرسمي الذي حمل توقيع الأسرة قال بصراحة غير مسبوقة:
“في منتهى الاشمئزاز والقرف… وكأن كرتون يغني على المسرح، لم يكفهم إظهار حليم بشكل كرتوني مضحك، بل أظهروه بنصف جسم”.
وتابعت الأسرة في لهجة غاضبة: “كل من حضر الحفل يصفه بالمهزلة بكل المقاييس… نحن كأسرة حذرناكم، وقلنا لكم إن المهرجان تعامل مع شركة نصابة، ورفضنا التوقيع معهم بعد خيبة الأمل الكبيرة في نسخة 2021”.
هذا التصريح كشف عن خلفية من التوترات القانونية والفنية بين ورثة الفنان الراحل والجهات القائمة على تنظيم عروض بتقنية “الهولوغرام”، وهي تقنية تتيح عرض صورة مجسمة ثلاثية الأبعاد لشخصيات، سواء كانت حية أو راحلة، في مشهد يبدو واقعياً بالنسبة للمشاهدين.
◾ عائلة حليم تلوّح بإجراءات قضائية وتستحضر “فضيحة قديمة”
المثير في بيان العائلة هو الإشارة غير المباشرة إلى “فضيحة” قديمة، قالت إن رئيس المهرجان قد يُقال على إثرها، مضيفة في لهجة تهديدية:
“بعد أن نكسب القضية، سنرى ما إذا كان رئيس المهرجان سيكمل أم سيُقال بفضيحة أخرى كما حدث قديمًا أيام الملك الحسن الثاني، رحمه الله”.
هذه الإشارة فتحت الباب أمام تكهنات حول سوابق سابقة في تدبير المهرجان أو ملفات ظلت طي الكتمان، فيما يُفهم من النص أن العائلة بصدد التحرك قضائياً ضد إدارة المهرجان.
◾ بيان رسمي سابق: “لم نمنح أي ترخيص، وهذا خرق قانوني واضح”
وكانت الأسرة قد أصدرت قبل أيام من الحفل بياناً توضيحياً رسمياً، أعربت فيه عن “دهشتها البالغة” من تداول الإعلانات الدعائية التي تروج لإقامة حفل بتقنية “الهولوغرام” للفنان عبد الحليم حافظ، ضمن فعاليات مهرجان موازين 2025.
وأكد البيان بوضوح أن “عائلة عبد الحليم حافظ لم تُخبر بأي مشروع من هذا النوع، ولم تُبرم أي اتفاق مع إدارة مهرجان موازين أو مع أي جهة أخرى بشأن استغلال اسم الفنان أو صورته أو صوته”، مشيرة إلى أن جميع الحقوق الحصرية المرتبطة باسم وصورة وصوت العندليب مملوكة لصالح شركة وحيدة تم التعاقد معها رسمياً في هذا الشأن.
وأوضحت الأسرة أن أي استخدام لاسم عبد الحليم حافظ خارج هذا الإطار، يُعد خرقاً صريحاً للقانون ويستوجب المساءلة القضائية.
◾ جدل حول استغلال حقوق الفنانين بعد الوفاة
هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول قضية استغلال صور وأصوات الفنانين الراحلين بعد وفاتهم، ومدى قانونية إقامة عروض باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، دون ترخيص أو موافقة ذوي الحقوق.
ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن “الهولوغرام” وسيلة فنية حديثة لإعادة إحياء رموز الماضي وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الفن العربي، يرى كثيرون في الأوساط الحقوقية والثقافية أن ذلك يتطلب التزاماً أخلاقياً وقانونياً صارماً.
ويُستدل في هذا السياق بحالات مماثلة في دول أوروبية وأمريكية، حيث اضطرت مؤسسات كبرى إلى إلغاء عروض فنية بعد احتجاجات من ورثة الفنانين أو الجمهور العام، بسبب تشويه الصورة الأصلية أو توظيف الشخصيات في سياقات تجارية لا تليق بمكانتهم الرمزية.
◾ مهرجان موازين.. بين العالمية والجدل
يُعد مهرجان موازين، الذي تنظمه جمعية مغرب الثقافات بشراكة مع عدد من المؤسسات الرسمية والخاصة، من بين أضخم المهرجانات الفنية في إفريقيا والعالم العربي، حيث يستقطب سنوياً أسماء فنية عالمية ونجوماً كباراً من مختلف الجنسيات.
لكن هذا المهرجان لم يخلُ عبر تاريخه من الجدل، سواء من حيث التكاليف المرتفعة التي يتحملها المال العام، أو من حيث هوية بعض العروض التي تُتهم بأنها لا تعكس الثقافة الوطنية أو تُسيء إلى الذوق العام، وهو ما جعله في مرمى انتقادات واسعة من سياسيين ومثقفين وحقوقيين.
◾ تقنية الهولوغرام.. بين الانبهار والتشويه
تقنية الهولوغرام دخلت عالم الفن بقوة في العقد الأخير، إذ شهد العالم عدداً من الحفلات التي أعادت شخصيات أيقونية إلى الحياة على المسارح، أبرزها حفل المغني الأمريكي الراحل توباك شاكور في مهرجان كواتشيلا، وكذلك عروض لماريا كالاس ومايكل جاكسون.
لكن تقنية الهولوغرام، ورغم طابعها البصري المُبهر، لا تخلو من إشكالات فنية وأخلاقية وقانونية، خصوصاً حين يُسيء العرض لتفاصيل الشخصية أو يُفرغها من سياقها التاريخي والفني، كما حصل – وفقاً لعائلة العندليب – في حفل موازين.
فالظهور المبتور “بنصف جسم”، كما وصفت الأسرة، يعكس إشكالات في الإعداد التقني، وربما ضعف الإمكانيات مقارنة بعروض مماثلة عالمية، وهو ما يثير تساؤلات حول الجهة التي تولّت الإنتاج الفني لهذه الفقرة الحساسة، في غياب أي تصريح رسمي من إدارة المهرجان إلى حدود الساعة.
◾ أصوات تطالب بمساءلة ثقافية وفنية
في أعقاب هذا الجدل، تعالت أصوات في المشهد الإعلامي والفني بالمغرب تطالب بفتح نقاش حول الضوابط القانونية والأخلاقية التي ينبغي أن تؤطر مثل هذه المبادرات، مشددين على أن “الحق في الإبداع لا يعفي من المسؤولية الثقافية ولا من احترام الذاكرة الفنية والرمزية للرواد”.
كما تم طرح تساؤلات حول ما إذا كانت وزارة الشباب والثقافة والاتصال على علم مسبق بالعرض، وما هو موقفها الرسمي، خاصة وأن المسرح الوطني محمد الخامس تابع للمؤسسات الثقافية العمومية.
◾ ختام: فصول معركة لم تنته بعد
في ظل تمسك عائلة عبد الحليم حافظ بحقها القانوني في متابعة كل من تورط في هذا “الخرق”، وفي ظل استمرار صمت إدارة مهرجان موازين، يبدو أن هذا الملف مرشح لمزيد من التصعيد، ليس فقط على المستوى القضائي، بل أيضاً في الفضاء العمومي الذي صار أكثر حساسية تجاه قضايا الملكية الفكرية واحترام الرموز الفنية.
ويبدو أن “العندليب الأسمر”، رغم رحيله منذ عقود، لا يزال قادراً على إثارة الجدل والتساؤل من جديد، وهذه المرة من منصة رقمية خادعة، تنطق بصوت “الهولوغرام” وتكاد تفقد الذاكرة الفنية شيئاً من هيبتها.