مأساة في مصحة خاصة بعين الشق: وفاة شابة أثناء الوضع تثير غضباً واسعاً وتساؤلات عن ظروف التكفل بالمريضات
شهدت مصحة خاصة بشارع فاس في مقاطعة عين الشق بمدينة الدار البيضاء، مساء السبت، واقعة مأساوية هزت الرأي العام المحلي، بعد وفاة شابة تبلغ من العمر 32 سنة، أثناء عملية الوضع، في ظروف وصفت بـ”المفاجئة والمثيرة للشكوك”، خاصة وأنها كانت، بحسب تصريحات أفراد من أسرتها، “في حالة صحية جيدة” عند دخولها للمصحة.
الحادث الذي وقع في واحدة من أكثر المصحات شهرة في المنطقة، فتح الباب أمام موجة من التساؤلات الجدية حول مستوى الرعاية الطبية المقدمة داخل بعض المؤسسات الصحية الخاصة، والرقابة الفعلية على جودة الخدمات، فضلاً عن مسؤولية الطاقم الطبي في التكفل بالمريضات أثناء لحظات دقيقة وحاسمة مثل لحظات الولادة.
دخول عادي.. ونهاية صادمة
الشابة الراحلة، المزدادة سنة 1992، دخلت المصحة قرابة الساعة العاشرة ليلاً، مساء السبت، وهي تستعد لوضع مولودها الأول. وقد رافقها أفراد من عائلتها الذين وصفوا حالتها بأنها “جيدة ومستقرة”، وأكدوا أن الشابة لم تكن تعاني من أي مضاعفات صحية، بل كانت تستعد بفرح لاستقبال طفلتها الأولى.
لكن ما لبثت الأجواء أن تحوّلت داخل المصحة إلى حالة من التوتر، بعد ما وصفه أفراد العائلة بـ”الارتباك غير المفهوم” في تعامل الطاقم الطبي، حيث لاحظوا غياب التواصل معهم، وافتقار إدارة المصحة للوضوح في شرح الوضع الصحي للمريضة.
شقيقة الضحية كانت أول من علم بالخبر المأساوي، حيث دخلت إلى غرفة الوضع بعد أن ساد الصمت، لتجد شقيقتها جثة هامدة، بينما كانت المولودة، وهي أنثى، قد خرجت إلى الحياة يتيمةً منذ لحظتها الأولى.
صدمة العائلة وغضب شعبي
الفاجعة خلّفت صدمة كبرى في صفوف العائلة، التي عبّرت عن حزنها وغضبها الشديد مما وصفته بـ”الإهمال الطبي”، مطالبة بفتح تحقيق معمّق في ملابسات الوفاة، والكشف عن الأسباب الحقيقية التي أودت بحياة ابنتهم، التي كانت تنتظر لحظة أمومتها الأولى.
وفي تصريح لأحد أفراد الأسرة، قال:
“دخلت بخير وعلى خير، وكانت فرحانة بالطفلة اللي غادي تولد، وما كناش نتصورو أن الوضع غادي يتحول لكارثة.. ما عطاونا حتى تفسير، غير خرجو وقالو لينا ماتت”.
الأسرة طالبت بفتح تحقيق قضائي شامل، والكشف عن جميع تفاصيل المراحل التي مرت بها عملية الوضع، و”تحديد مسؤوليات المصحة بشكل دقيق”، مشيرة إلى أن “المسألة ماشي خطأ بسيط، بل حياة إنسانة انتهت وسط ظروف غامضة وغير مبررة”.
تدخل السلطات وفتح تحقيق
بمجرد إبلاغها بالحادث، انتقلت المصالح الأمنية إلى عين المكان، بأمر من النيابة العامة، حيث تم فتح تحقيق رسمي في القضية، وتم الاستماع إلى إفادات أفراد العائلة، والطبيبة المشرفة على الوضع، وعدد من العاملين بالمصحة.
كما تم نقل جثة الشابة إلى مستودع الأموات من أجل إجراء تشريح طبي دقيق، بإشراف من الطب الشرعي، من أجل الوقوف على الأسباب الحقيقية للوفاة، وتحديد ما إذا كانت هناك مضاعفات صحية طبيعية، أم أن الأمر يتعلق فعلاً بحالة “إهمال طبي أو خطأ مهني جسيم”.
وتُعد نتائج هذا التشريح نقطة محورية في الملف، إذ ستكون حاسمة في تحديد مسار التحقيق، وقد تترتب عنها مسؤوليات جنائية أو تأديبية في حال ثبوت وجود تقصير أو عدم احترام للإجراءات الطبية السليمة.
إهمال طبي أم مضاعفات مفاجئة؟
تبقى فرضية الإهمال الطبي مطروحة بقوة في تصريحات العائلة، لا سيما في ظل الغموض الذي لفّ مراحل الوضع، وغياب التواصل الشفاف من طرف الطاقم الطبي. كما أن الشكوك تعززت بسبب ما سُجل من “ارتباك” لحظي داخل المصحة، وتضارب أقوال بعض العاملين حول اللحظات الأخيرة قبل الوفاة.
لكن في المقابل، تحذر بعض الأصوات الطبية من “التسرع في إصدار الأحكام”، مبرزين أن الولادة قد تشهد مضاعفات مفاجئة، خاصة في حالات نادرة كتمزق الرحم، أو النزيف الداخلي، أو صدمة نتيجة التخدير، وهي حالات يمكن أن تكون مميتة حتى في وجود طاقم طبي مؤهل.
غير أن هذا لا ينفي المسؤولية القانونية والأخلاقية للمصحة في ضمان الشفافية والتواصل مع أسرة المريضة، والحرص على تقديم جميع المعطيات المتوفرة، بدل ترك العائلة في دوامة من التساؤلات والشكوك.
السياق الأوسع: أزمة ثقة في المصحات الخاصة
تعيد هذه الحادثة المؤلمة إلى الواجهة الجدل القديم/الجديد حول جودة التكفل بالنساء الحوامل داخل المصحات الخاصة في المغرب، وخصوصاً في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، حيث تعرف هذه المؤسسات إقبالاً كبيراً، مقابل شكاوى متكررة من غياب الرقابة الكافية، واستغلال مادي في بعض الحالات.
وتعرف عدد من المصحات الخاصة غياب لجان مراقبة منتظمة، سواء من طرف وزارة الصحة أو الهيئات الطبية المستقلة، ما يطرح سؤالاً مركزياً حول فعالية آليات تتبع الأخطاء الطبية والتحقيق فيها، ومدى قدرة النظام القانوني على إنصاف المتضررين في مثل هذه القضايا الحساسة.
يقول فاعل جمعوي في مجال الدفاع عن حقوق المرضى:
“كثير من الأسر لا تعرف حقوقها في مثل هذه المواقف، وهناك تردد كبير في اللجوء للقضاء، إما بسبب الجهل بالإجراءات أو بسبب الإحساس بعدم جدوى المتابعة. وهذا ما يشجع البعض على التمادي في الإهمال دون محاسبة”.
حقوق المريض.. بين القانون والممارسة
وفقاً للقانون المغربي، فإن كل مريض أو مرافقيه، لهم الحق في الحصول على معلومة طبية دقيقة وشاملة حول حالته الصحية، بما في ذلك تفاصيل العلاج، والمضاعفات المحتملة، ونتائج الفحوصات، كما يضمن لهم القانون الحق في تقديم شكاية رسمية في حال الاشتباه في أي خطأ أو إهمال.
وتنص المادة 58 من قانون مزاولة مهنة الطب، على أنه “يجب على الطبيب بذل كل الجهود الممكنة لإنقاذ حياة المريض، وعليه إعلام أهله في حالة الطوارئ”. غير أن تفعيل هذه المواد في الواقع العملي، غالباً ما يصطدم بعوائق إجرائية، أو بضعف الوعي الحقوقي لدى المواطنين.
نحو إصلاح أوسع لمنظومة الصحة الخاصة
يرى متتبعون أن الحادث المأساوي الذي شهدته مصحة عين الشق يجب أن يشكل جرس إنذار جديد للسلطات الصحية، من أجل فتح نقاش وطني حقيقي حول تدبير المصحات الخاصة، وتأهيلها، وربطها بمسؤولية واضحة أمام القانون، حفاظاً على أرواح المواطنين وثقة الأسر في المنظومة الصحية.
كما أن مثل هذه الوقائع تفرض ضرورة إعادة هيكلة منظومة الولادة والتكفل بالنساء الحوامل، عبر ضمان بيئة آمنة، شفافة، ومبنية على معايير طبية حديثة، سواء في القطاع العام أو الخاص.
في انتظار الحقيقة
إلى حين صدور نتائج التشريح الطبي والتحقيقات الجارية، يبقى الغموض مسيطراً على ملابسات وفاة الشابة داخل المصحة. وبين أسى العائلة، وصمت الإدارة الطبية، وتفاعل السلطات، تترقب الأعين إجابات شافية حول ما حدث، ومن يتحمل مسؤولية فقدان حياة شابة في ريعان عمرها، كانت تتأهب لتكون أماً.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة تحول نحو نظام صحي أكثر شفافية وعدلاً، يضع حياة الإنسان فوق كل اعتبار.