المغرب و الجزائر وجهاً لوجه أمام لجنة الـ24: السجال الدبلوماسي يحتدم من جديد حول الصحراء المغربية
تحولت أشغال الندوة الإقليمية للجنة الـ24 التابعة للأمم المتحدة، التي اختتمت مؤخراً بمدينة ديلي في تيمور الشرقية، إلى منصة جديدة للمواجهة الدبلوماسية المفتوحة بين المغرب والجزائر، على خلفية الخلاف التاريخي حول قضية الصحراء المغربية. وفي مشهد بات يتكرر كل سنة في مثل هذه المحافل، تصاعدت حدة السجال بين وفدي البلدين، خصوصاً خلال جلستي حق الرد، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مسؤولية كل منهما عن تعثر حل النزاع الإقليمي الممتد لعقود.
الجزائر تتمسك بخطاب “الحياد”.. والمغرب يفند بالوقائع
خلال الجلسة الرسمية للندوة، لم يتردد رئيس الوفد الجزائري في إطلاق سلسلة من الاتهامات المباشرة ضد المغرب، مدعياً أن بلاده تتعرض لـ”استهداف غير مبرر” في الخطاب المغربي، وأن الجزائر ليست طرفاً مباشراً في النزاع، بل تكتفي بصفة “ملاحظ” فقط. ورغم التكرار السنوي لهذا الادعاء، إلا أن حدة تعبير الدبلوماسي الجزائري هذه المرة بلغت مستوى غير مسبوق من التوتر والاستفزاز، وبلغت حد التلميح بأن الخطاب المغربي يمثل “تحاملاً مجانياً” على الجزائر.
غير أن رد الوفد المغربي، ممثلاً في السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، لم يتأخر، وجاء حاسماً وواضحاً في تفنيد ما وصفه بـ”الادعاءات الباطلة”، مشدداً على أن الإشارة إلى الجزائر في مداخلة المغرب لا تُعد “استهدافاً”، بل “توصيفاً لواقع سياسي ودبلوماسي تتحمل الجزائر مسؤوليته كاملة وعلنية”.
وقال هلال في رده:
“من أنشأ البوليساريو؟ الجزائر. من يستضيف هذا الكيان فوق ترابه؟ الجزائر. من يموله ويقوده دبلوماسياً؟ الجزائر. لذلك ليس من المستغرب أن يُذكر اسم الجزائر خمس مرات في كل واحد من قرارات مجلس الأمن الأخيرة.”
“فصام سياسي مزمن”.. وصف دبلوماسي صادم من الرباط للجزائر
في واحدة من أبرز لحظات الرد المغربي، لم يتردد هلال في وصف موقف الجزائر بـ”الفصام السياسي المزمن”، في إشارة إلى التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. فبينما تواصل الجزائر تكرار موقفها الرسمي بأنها “غير معنية بالنزاع”، يثبت الواقع أنها طرف فاعل على أكثر من صعيد: احتضان وتدريب وتسليح ودعم جبهة البوليساريو، بالإضافة إلى دورها المتواصل في تعطيل الجهود السياسية لإيجاد حل متوافق عليه، وفق ما أقرته قرارات مجلس الأمن.
ووجه هلال سؤالاً مباشراً إلى الوفد الجزائري:
“إذا كنتم تدّعون الحياد، فلماذا تعترضون منذ ثلاث سنوات على استئناف العملية السياسية التي يقودها المبعوث الأممي؟ من يعارض تعيين مبعوثين، ومن يحاول عرقلة مسار الموائد المستديرة؟ إنها الجزائر بلا شك.”
“الخطاب الجزائري متجمد في سنة 2000”
السفير المغربي انتقد أيضاً اللغة والمفاهيم التي استخدمها الدبلوماسي الجزائري، معتبراً أنها “عفا عليها الزمن” و”متوقفة عند سنة 2000″، دون مراعاة للتحولات العميقة التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال الخمسة وعشرين عاماً الأخيرة، وعلى رأسها الزخم الدولي المتصاعد المؤيد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وتبني مجلس الأمن لهذه المقاربة الواقعية والعملية.
وأوضح هلال أن الجزائر تتفادى عمداً الإشارة إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة منذ 2007، لأنها تنسف المنطلقات التي تبني عليها موقفها السياسي، خصوصاً ما يتعلق بخيار الاستفتاء الذي أصبح “متجاوزاً وغير واقعي”، حسب تعبيره، مضيفاً أن الجزائر تحاول إبقاء النقاش في خانة الماضي لتفادي مواجهة الحقائق الحالية التي لا تصب في مصلحتها الدبلوماسية.
“الجزائر لم تعد قبلة للتحرر، بل مرتعاً لعدم الاستقرار”
من جهة أخرى، خصص السفير هلال جزءاً من مداخلته للرد على ما وصفه بـ”الخطاب المتباهي” لرئيس الوفد الجزائري حول دور بلاده في دعم حركات التحرر الإفريقية، مذكراً بأن تلك الحقبة ولّت منذ عقود، وأن الجزائر اليوم أصبحت “مصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة المغاربية والساحل”، بسبب احتضانها وتحالفها مع مجموعات انفصالية وتواطئها مع تنظيمات إرهابية.
وقال هلال بوضوح:
“ما كان يُقال في ستينيات القرن الماضي، لم يعد صالحاً اليوم. الجزائر أصبحت، للأسف، مرتعاً للجماعات الإرهابية، ومنصة لتفريخ النزعات الانفصالية، وهو ما انعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة برمتها، من ليبيا إلى مالي والنيجر.”
وتابع قائلاً:
“سياسة زعزعة الاستقرار التي تنتهجها الجزائر، تُشكل أرضية خصبة لتنظيمي القاعدة وداعش وغيرهما، مما يُقوض جهود التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب، ويُهدد الأمن الجماعي لشمال وغرب إفريقيا.”
قضية القبايل على الطاولة: السلاح المغربي المضاد
في تصعيد لافت، عاد السفير المغربي للتذكير بـقضية منطقة القبايل في الجزائر، التي تطالب منذ عقود بحقها في تقرير المصير، مؤكداً أن الجزائر مطالبة أولاً باحترام هذا المطلب الداخلي قبل الحديث عن تقرير مصير خارج حدودها.
وقال هلال:
“إذا كانت الجزائر مؤمنة حقاً بمبدأ تقرير المصير، فعليها أن تبدأ بمنح هذا الحق لشعب القبايل، الذي تعود مطالبته بالاستقلال إلى ما قبل تأسيس الدولة الجزائرية نفسها.”
ويُعد هذا التصريح استمراراً للمقاربة المغربية الجديدة في التعاطي مع الجزائر، من خلال المعاملة بالمثل في الخطاب السياسي والدبلوماسي، ورد الصاع صاعين في كل محفل أممي أو إقليمي، خاصة أن الرباط تعتبر أن الجزائر تجاوزت في السنوات الأخيرة كل خطوط الحياد المفترض، وتحولت إلى خصم مباشر وواضح في هذا النزاع الإقليمي.
تحليل دبلوماسي: المغرب يُكرس واقعاً جديداً.. والجزائر محاصرة بخياراتها القديمة
تُجسد هذه الجولة من السجال بين المغرب والجزائر في ندوة لجنة الـ24 مرحلة جديدة في المواجهة الدبلوماسية الإقليمية، حيث بات المغرب يعتمد لغة واضحة، مباشرة، وخالية من المجاملات، معتمداً على مستجدات سياسية ودبلوماسية متراكمة: اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، دعم دولي متزايد لمقترح الحكم الذاتي، تراجع كبير لشرعية جبهة البوليساريو، وانكماش عدد الدول المعترفة بها.
في المقابل، تواجه الجزائر صعوبة في تجديد خطابها أو تعديل مواقفها، بسبب ضغط داخلي متنامٍ، وتكلس في آليات الاشتغال الدبلوماسي، مما يدفعها إلى تكرار نفس الشعارات والأطروحات، رغم تجاوزها من قبل المجتمع الدولي.
السجال يتواصل.. لكن موازين القوى تتغير
الندوة الإقليمية للجنة الـ24 لم تأتِ بجديد جوهري على مستوى المواقف الرسمية، لكنها كرّست تباعد الرؤى وازدياد الهوة بين المغرب والجزائر، في وقت بات فيه مجلس الأمن يُكرس واقعية الحل السياسي، ويُضيق الخناق على الخطابات التقليدية التي لم تعد تُقنع أحداً.
المغرب يواصل التقدم في معركة الشرعية الدولية بدبلوماسية هجومية قائمة على الوقائع والمبادرات، فيما تبدو الجزائر عالقة في خطابها القديم، ما يُرجح استمرار المواجهة في محافل قادمة، لكن على أرضية تميل كفتها أكثر فأكثر لصالح المملكة المغربية.