فاجعة انهيار عمارة بفاس: تسعة قتلى وجراح في صفوف السكان… من المسؤول؟
ليلة دامية عاشها حي الحي الحسني بمنطقة المرينيين بمدينة فاس، بعدما تحوّلت بناية سكنية متعددة الطوابق إلى ركام وأنقاض، إثر انهيار مروع أودى بحياة تسعة أشخاص، وأدى إلى إصابة سبعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. الحادث المفجع، الذي وقع في الساعات الأولى من يوم الجمعة، أعاد إلى الواجهة ملف البنايات الآيلة للسقوط، والإهمال الذي يطالها، رغم التحذيرات والمراسلات الرسمية.

لحظات الرعب الأولى: انهيار مفاجئ وسط صمت الليل
وفق معطيات رسمية أدلت بها السلطات المحلية بعمالة فاس، فإن البناية المنهارة كانت تصنف ضمن خانة المباني المهددة بالانهيار، بل إنها كانت موضوع أوامر سابقة بالإخلاء موجهة إلى قاطنيها، بالنظر إلى خطورة وضعها الهيكلي.
غير أن واقع الحال أظهر أن الأوامر لم تُنفذ بالشكل المطلوب، وظلّ السكان يقيمون في البناية رغم المخاطر التي كانت تتهددهم بشكل يومي. وليل الخميس/الجمعة، لم يُمهل الانهيار المفاجئ هؤلاء السكان كثيراً، ليفتك بعدد منهم ويُدخل آخرين في دوامة الألم والمعاناة.
تدخل سريع للسلطات.. وعمليات الإنقاذ تتواصل
بمجرد تلقي الإشعار بالحادث، تحركت السلطات المحلية والأمنية وفرق الوقاية المدنية على وجه السرعة إلى عين المكان. وتمت مباشرة عمليات البحث والإنقاذ تحت الأنقاض، مع تأمين محيط البناية المنهارة كإجراء احترازي، إلى جانب إجلاء السكان من المباني المجاورة، خشية حدوث انهيارات أخرى قد تُفاقم من حجم المأساة.
وتواصلت عمليات التمشيط الدقيق للموقع، في محاولة للعثور على ناجين محتملين أو جثث قد تكون ما تزال عالقة بين الأنقاض، وسط ترقب وحزن يخيم على الحي بأكمله.
ضحايا بين الحياة والموت.. والمستشفى يستنفر طواقمه
فيما تم نقل الجرحى إلى مستشفى الغساني بفاس، عملت الأطقم الطبية هناك على تقديم الإسعافات والعلاجات الضرورية للمصابين، وسط استنفار كامل لمصالح المستعجلات، وتوافد عائلات الضحايا للاطمئنان على ذويهم أو التعرّف على الجثث.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن بعض المصابين يوجدون في وضعية حرجة، ما يجعل الحصيلة مرشحة للارتفاع في أي لحظة، في ظل هشاشة الوضع الصحي لبعضهم وصعوبة الظروف التي أُخرجوا منها تحت الركام.

السلطات تفتح تحقيقاً.. وأسئلة تُطرح حول المسؤولية
أعلنت السلطات فتح تحقيق شامل لتحديد ملابسات هذا الانهيار، خصوصاً أن البناية كانت معروفة بأنها مهددة بالسقوط، وأنها كانت محط تحذيرات رسمية وأوامر إدارية بالإخلاء. وهنا يطرح السؤال الجوهري: لماذا لم تُنفّذ أوامر الإخلاء؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا التقاعس؟
هل يعود الأمر إلى رفض السكان المغادرة لغياب بدائل سكنية؟ أم أن الأمر يتعلق بتراخٍ إداري لم يفعّل الإجراءات اللازمة بالقوة العمومية؟ وماذا عن دور السلطات المنتخبة، وخصوصاً المجالس الجماعية والمحلية في تتبع حالات مثل هذه المباني؟
فاس تحت المجهر: ملف البنايات الآيلة للسقوط ينذر بكوارث أخرى
حادثة فاس ليست معزولة. فالمدينة، كما هو الحال في عدد من المدن المغربية، تعاني من إرث عمراني هش، يتمثل في مئات البنايات القديمة التي لم تعد تقاوم الزمن، والتغيرات المناخية، والضغط السكاني.
وتُشير تقارير صادرة عن وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان وسياسة المدينة إلى وجود آلاف البنايات المصنفة “آيلة للسقوط” في عدة مدن، منها فاس، الدار البيضاء، سلا، مراكش، ووجدة. ومع أن الدولة أطلقت برامج لإعادة الإيواء والترميم، إلا أن الوتيرة البطيئة لهذه البرامج وغياب استراتيجية متكاملة للتدبير الترابي لهذه الظاهرة، يجعلان من كل بناية متهالكة قنبلة موقوتة مهددة بالانفجار في أية لحظة.
إكراهات اجتماعية واقتصادية تعيق الإخلاء
أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ أوامر الإخلاء، هو الواقع الاجتماعي والاقتصادي لسكان هذه البنايات. فمعظمهم من ذوي الدخل المحدود أو يعيشون في وضعية هشة، ولا يملكون إمكانيات للكراء أو شراء مساكن بديلة، ما يجعلهم يفضلون المغامرة بالبقاء على مواجهة التشرد أو السكن في الشارع.
وفي حالات كثيرة، يتعثر التنسيق بين السلطة المحلية والمجالس المنتخبة بشأن تمويل البدائل السكنية، أو توفير دعم استعجالي للأسر المتضررة، مما يفتح الباب أمام تأجيل مستمر لقرارات الإفراغ، حتى تقع الكارثة.

هل يعيد هذا الحادث ترتيب أولويات سياسة المدينة؟
فاجعة الحي الحسني يجب أن تكون ناقوس خطر يدفع الحكومة والسلطات المحلية والمنتخبة إلى مراجعة شاملة لسياسة تدبير البناء القديم، وخاصة البنايات التي تشكل خطراً آنياً على حياة المواطنين.
ويُطالب مختصون في التعمير والتهيئة الحضرية بضرورة:
- إحداث خلية يقظة حضرية دائمة لرصد المباني المهددة بالانهيار.
- تبني مقاربة اجتماعية-قانونية تُراعي وضعية السكان وتُوفر بدائل فورية قبل تنفيذ أوامر الإخلاء.
- إشراك المجتمع المدني والجمعيات المحلية في التحسيس بمخاطر البقاء في مبانٍ آيلة للسقوط.
- إطلاق خرائط رقمية تُحدد المناطق الهشة عمرانياً، وتُعرض للعموم بشفافية.
أرواح ضاعت.. ودروس لا يجب أن تُنسى
في انتظار ما ستُسفر عنه التحقيقات الجارية، فإن ما وقع في فاس ليس مجرد حادث عرضي، بل نتيجة منطقية لإهمال عمر سنوات، وتراكمات من اللامبالاة والتقصير.
فأرواح تسعة مواطنين قضوا وسط أنقاض عمارة كان من المفترض أن تُخلى، وجراح سبعة آخرين، تُحتم على الجميع – سلطات، منتخَبين، مواطنين – إعادة النظر جذرياً في كيفية إدارة المجال الحضري، والتعامل مع الفئات الهشة في سياق السكن الخطِر.