مجلس المنافسة يُفجّر قضية “احتكار السردين”: تحقيق في اتفاقات سرية دامت عقدين كاملين
في خطوة تُعد من بين أبرز تحركاته منذ إعادة هيكلته، أعلن مجلس المنافسة، يوم الخميس، عن فتح تحقيق معمق في وجود شبهات بممارسات منافية لقواعد المنافسة الحرة داخل سوق توريد السردين الصناعي، وهو القطاع الذي يُعد من أعمدة الاقتصاد البحري والغذائي في المغرب.
البلاغ الرسمي الصادر عن المجلس كشف معطيات مثيرة تتعلق بـتوافقات مشبوهة بين مجموعة من الفاعلين في السوق، يُشتبه في تورطهم في تقنين الأسعار، وتوزيع الإنتاج بشكل منسق، والحد من حرية الولوج إلى السوق، في ممارسات يُشتبه أنها امتدت على مدى عشرين سنة كاملة، مما يُثير تساؤلات عميقة حول الرقابة المؤسساتية، ودور الدولة في حماية المستهلك والاقتصاد الوطني من الكارتيلات الخفية.
تحقيق استباقي يعيد فتح ملف “السوق المغلقة”
وفقًا للبلاغ، فإن مجلس المنافسة تحرك بمبادرة ذاتية، في إطار اختصاصاته المنصوص عليها في الفصل 166 من الدستور المغربي، وكذا بموجب القانونين التنظيميين 104.12 و20.13 المتعلقين بحرية الأسعار والمنافسة وتنظيم مجلس المنافسة، بعد أن جمعت مصالحه الاستقصائية أدلة وقرائن قوية تشير إلى وجود توافقات سرية بين عدد من المهنيين، تهم البيع الأول للسردين الصناعي.
ولم يكتف المجلس بالإشارة إلى الشبهات، بل أكد وجود حجج وقرائن دامغة توصلت إليها مصالح التحقيق، تهم:
-
تحديد الأسعار بشكل منسق بين الفاعلين، ما يُعد خرقًا صريحًا لمبدأ المنافسة الحرة.
-
تقاسم السوق وتوزيع الإنتاج بطريقة تُقيّد الولوج إلى السوق أمام فاعلين آخرين.
-
تثبيت الأسعار اصطناعيًا، سواء برفعها أو خفضها، خلافاً للآلية الطبيعية للعرض والطلب.
تورط 15 هيئة مهنية.. والبدء في المسطرة الحضورية
التحقيق الذي فتحه مجلس المنافسة شمل 15 هيئة مهنية، منضوية تحت قطاعات متنوعة تمثل البنية التنظيمية لهذا السوق، وهي:
-
المجهزون البحريون: أي مالكو المراكب الذين يُمونون المصانع بالسردين الصناعي.
-
الوحدات الصناعية لتحويل وتثمين السمك: المصانع التي تعتمد على السردين كمادة خام أساسية في إنتاج المعلبات والمنتجات السمكية.
-
تجار السمك بالجملة: الذين يشترون المنتجات البحرية عند البيع الأول من الموانئ بغرض تسويقها لاحقاً.
المجلس، في إطار المساطر القانونية المعمول بها، بلّغ المؤاخذات رسمياً لهؤلاء المتدخلين، وهو ما يُعد خطوة إجرائية تُؤسس لانطلاق المسطرة الحضورية، التي تتيح للمعنيين ممارسة حق الدفاع وتقديم التبريرات القانونية والتجارية بخصوص التهم المنسوبة إليهم.
عشرون سنة من التوافقات: كارتيل بحري في الظل؟
ما يثير الانتباه أكثر هو المدة الطويلة التي يُشتبه في أن هذه التوافقات المنافية للمنافسة قد استمرت خلالها، والتي تمتد لعشرين سنة. هذه المدة تُطرح معها العديد من الأسئلة:
-
كيف استمر هذا الوضع طوال هذه الفترة دون أن يُكتشف؟
-
هل كان هناك تقصير مؤسساتي أو تغاضٍ مقصود؟
-
من المستفيد الأكبر من تثبيت الأسعار والتحكم في السوق؟
هذه التساؤلات تضع مجلس المنافسة أمام اختبار حقيقي للشفافية والصرامة، كما تُلقي بظلال من الشك على فعالية أدوات المراقبة التجارية في المغرب، خاصة في قطاعات استراتيجية وحساسة كقطاع المنتجات البحرية.
السردين الصناعي: ركيزة اقتصادية في مرمى الشبهات
تجدر الإشارة إلى أن السردين الصناعي يُعد من أهم المنتجات البحرية بالمغرب، وهو مادة أولية أساسية في عدد من الصناعات الغذائية الموجهة أساسًا للتصدير، ما يجعل من هذا السوق شريانًا حيويًا في الاقتصاد الوطني البحري.
التحكم الاصطناعي في أسعار هذا المنتوج، أو منع المنافسين من ولوج السوق، لا يضرب فقط المنطق الاقتصادي، بل يمسّ مباشرة تنافسية الصناعة السمكية المغربية في الأسواق الدولية، ويمثل خطرًا على أمن غذائي معين بالنسبة للمستهلك المحلي، الذي تتأثر قدرته الشرائية بارتفاع غير مبرر في الأسعار.
أثر محتمل على أسعار المنتوجات البحرية.. والمستهلك الضحية الأكبر
من بين أخطر ما تُشير إليه نتائج التحقيق الأولي، هو أن الممارسات المحتملة أدت إلى رفع أو خفض مفتعل للأسعار، حسب ما يخدم مصالح الجهات المسيطرة، وليس بناءً على العرض والطلب.
هذه الممارسات تترجم عمليًا إلى:
-
زيادات غير مبررة في أسعار المواد المعلبة المصنوعة من السردين.
-
ضغط على الصناعات الصغيرة والمتوسطة غير المنخرطة في التوافقات.
-
إضعاف القدرة الشرائية للمستهلك المغربي، خاصة في ظل أزمات الغلاء المتتالية.
مجلس المنافسة أمام امتحان حاسم
من المقرر أن يُصدر مجلس المنافسة، في مرحلة لاحقة، قراره النهائي بشأن هذه القضية، وذلك بعد الاستماع إلى دفوعات الأطراف المعنية خلال جلسة حضورية للتداول والمناقشة. ويُشكل هذا القرار محكاً حقيقياً لاستقلالية ونجاعة المجلس، كما يُعد أول امتحان عملي لرئيسه الجديد، أحمد رحو، منذ توليه المنصب في سياق دعوات إلى تفعيل دور المجلس في محاربة الريع الاحتكاري.
ختاماً: قضية “سوق السردين” تكشف معركة أعمق ضد “اقتصاد التوافقات”
التحقيق المفتوح اليوم في كارتيل السردين الصناعي ليس مجرد ملف يتعلق بممارسات احتكارية معزولة، بل هو مرآة تعكس نمطاً من التواطؤات الاقتصادية التي ظلت طيّ الكتمان لعقود، وتُعد نموذجًا عن “اقتصاد التوافقات” الذي يُعيق النمو ويُكرّس التفاوتات ويضر بالثقة في السوق.
المطلوب اليوم ليس فقط إدانة من يثبت تورطه، بل فتح ورش وطني شامل لإعادة النظر في شفافية سلاسل الإنتاج البحري، وتحديث آليات الرقابة على الأسعار والمضاربة، وإعادة الاعتبار لقواعد السوق العادلة والمنافسة النزيهة، حمايةً للمستهلك، وإنصافاً للمستثمر الشريف، وتعزيزًا للاقتصاد الوطني.