حيكر يُحذر من “التحكم في خارطة الجسم الصحفي”.. جدل متصاعد حول مستقبل المجلس الوطني للصحافة
في خطوة تندرج ضمن الجدل المتنامي حول استقلالية قطاع الصحافة بالمغرب، وجّه عبد الصمد حيكر، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، سؤالاً شفوياً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، دعا فيه إلى تقديم حصيلة عمل اللجنة المؤقتة المكلفة بتدبير قطاع الصحافة، وكشف الجدولة الزمنية المرتقبة لتنظيم انتخابات المجلس الوطني للصحافة.
سؤال حيكر، الذي طرح خلال جلسة عمومية بمجلس النواب، لم يكن مجرد استفسار إداري عابر، بل حمل في طياته انتقاداً صريحاً لما وصفه بـ”تراجع خطير في تدبير القطاع”، محذّراً مما اعتبره مساساً بمبادئ التنظيم الذاتي واستقلالية المهنة الصحفية عن السلطة التنفيذية.
من اللجنة المؤقتة إلى قلق التمثيلية: ما خلفيات الانتقاد؟
يرتكز جوهر انتقاد النائب البرلماني على ما اعتبره “تغولاً حكومياً في تدبير قطاع يفترض أن يخضع لمنطق التنظيم الذاتي”، حيث اعتبر أن إحداث لجنة مؤقتة لإدارة شؤون الصحافة كان بمثابة مدخل مباشر لـ”تكريس تدخل الحكومة في قطاع حيوي وحساس”، مما قد يُفضي، حسب تعبيره، إلى “إعادة تشكيل الجسم الصحفي على مقاس السلطة”.
حيكر تساءل عن الجدوى من إحداث اللجنة المؤقتة بتركيبتها الحالية، التي يُنظر إليها من طرف جزء من المهنيين كآلية لتعطيل الديمقراطية داخل المهنة، وتعويضها بتدبير فوقي يُفضي إلى إنتاج مجلس وطني لا يعكس التعددية ولا يضمن تمثيلية حقيقية لكافة الفاعلين.
وفي هذا السياق، دعا إلى اتخاذ تدابير ملموسة تُفضي إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية وشفافة للمجلس الوطني للصحافة، تحترم روح الدستور ومبدأ استقلالية المهن ذاتية التنظيم، بدل “الاستمرار في تمديد مهام اللجنة المؤقتة دون أفق واضح”.
سياق قانوني مضطرب: بين التمديد والتأجيل
ويأتي هذا النقاش في ظل التمديدات المتتالية لعمر اللجنة المؤقتة لتدبير قطاع الصحافة، والتي أحدثت بموجب القانون رقم 53.22 في يوليوز 2023، كإجراء استثنائي “لضمان استمرار المرفق” بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة في أكتوبر 2022، دون أن تُجرى الانتخابات في موعدها.
رغم الطابع المؤقت الذي طبع تأسيس هذه اللجنة، إلا أن تمديد ولايتها وتوسيع صلاحياتها، دون تقديم توضيحات دقيقة بشأن الجدول الزمني لإجراء الانتخابات، أثار شكوكاً حول نية الحكومة في تنظيم عملية انتخابية نزيهة، وفتح الباب أمام اتهامات بـ”التحكم السياسي” في التمثيلية المهنية داخل القطاع.
عدد من الفاعلين المهنيين رأوا في هذه الخطوة تراجعاً عن مبدأ “التنظيم الذاتي للمهنة”، الذي أقره دستور 2011، وينص عليه القانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة.
ما هو المجلس الوطني للصحافة؟ ولماذا يُثير كل هذا الجدل؟
المجلس الوطني للصحافة هو هيئة مهنية مستقلة، تم تأسيسها سنة 2018 بهدف تدبير شؤون المهنة وتنظيمها ذاتياً، بعيداً عن تدخلات الحكومة، ويضم في عضويته صحفيين مهنيين وناشرين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني.
تتجلى مهام المجلس في إعداد ميثاق أخلاقيات المهنة، البت في الشكايات، منح البطاقة المهنية، مراقبة احترام أخلاقيات الصحافة، والدفاع عن حرية الإعلام.
لكن منذ انتهاء ولايته الأولى، دخل المجلس في أزمة تنظيمية عميقة، بسبب عدم إجراء الانتخابات في موعدها، وسط اتهامات بتأخر الحكومة في توفير الظروف القانونية والإدارية اللازمة لتنظيمها، مقابل مساعٍ لتشكيل هيئة بديلة عبر لجنة مؤقتة موالية.
مخاوف مهنيي الصحافة: الاستقلالية في مهب الريح؟
العديد من الصحفيين والفاعلين النقابيين عبّروا، في بيانات وتصريحات مختلفة، عن قلقهم العميق من مآلات هذه الوضعية المؤقتة “الممتدة”، التي تُهدد بتقويض مبدأ استقلالية المجلس الوطني، وتحويله إلى هيئة شكلية خاضعة لتوجيهات السلطة التنفيذية.
واعتبر بعض الفاعلين أن ما يجري هو “عملية ممنهجة لإعادة رسم خريطة المهنة”، من خلال التحكم في الانتخابات المقبلة، وضمان صعود وجوه محسوبة على الحكومة أو قابلة للتطويع، ما يُفقد المجلس مصداقيته ويضرب روح الإصلاح المؤسساتي في العمق.
وفي المقابل، تُبرر الحكومة خيارها بكون اللجنة المؤقتة ضرورية لضمان استمرارية تدبير شؤون القطاع في انتظار استكمال الإعداد القانوني واللوجستي لتنظيم انتخابات جديدة، وهو تفسير لم يعد يُقنع جزءاً كبيراً من المهنيين.
المعارضة تسائل الوزير: أين الشفافية؟ وأين الجدولة الزمنية؟
في ظل هذا التوتر، جاءت مداخلة النائب عبد الصمد حيكر لتُحرك المياه الراكدة داخل البرلمان، إذ طالب بإجراء تقييم حقيقي وشفاف لحصيلة عمل اللجنة المؤقتة، التي تتولى تدبير شؤون الصحافة بسلطات شبه مطلقة منذ أزيد من سنة، دون حسيب أو مساءلة.
وأكد حيكر أن تنظيم انتخابات نزيهة وذات مصداقية هو الشرط الأساسي لإعادة الاعتبار لقطاع الصحافة، وتجنيبه خطر الارتهان للمزاج السياسي، داعيًا الوزير بنسعيد إلى تقديم جدول زمني واضح ومُلزم لتنظيم الانتخابات، بدل التمادي في “التدبير المؤقت بلا أفق”.
التحدي الكبير: ضمان استقلالية المهنة وإعادة الثقة
بعيدًا عن الحسابات السياسية، فإن الرهان الحقيقي يكمن اليوم في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الصحفي، وذلك عبر ضمان استقلالية المجلس الوطني، تنظيم انتخابات نزيهة، تمكين الصحفيين من التعبير الحر، وتعزيز أخلاقيات المهنة.
ويبقى السؤال الجوهري: هل ستُبادر الحكومة فعلاً إلى إطلاق مسار انتخابي ديمقراطي يُعيد للمجلس شرعيته ومكانته، أم أن منطق “اللجان المؤقتة” سيُصبح قاعدة لتدبير المهن المنظمة، بدل أن يكون استثناءً مرحليًا؟
وفي انتظار جواب الوزير بنسعيد، يظل مستقبل المجلس الوطني للصحافة، ومعه مستقبل التنظيم الذاتي للقطاع، معلّقًا على مواقف الحكومة من الديمقراطية المهنية، والإرادة السياسية لتكريس الاستقلالية، بدل التحكم في الأصوات والتمثيليات.