في خطوة جريئة وغير مسبوقة تعكس التوجه المتزايد نحو تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الموارد الطبيعية، أقدمت وزارة التجهيز والماء، يوم 24 فبراير 2025 (25 شعبان 1446)، على إصدار قرار إداري تحت رقم 507.25، يقضي بنشر مستخرجات عن وصولات التصاريح التي تم منحها لمستغلي المقالع خلال سنة 2023، إلى جانب لائحة تضم عشرات المقالع التي تم إغلاقها خلال السنة نفسها، في خطوة اعتُبرت ثورة حقيقية في تعاطي الدولة مع قطاع ظل لعقود محاطًا بالغموض ومثارًا للتساؤلات.
هذا القرار، الذي يُعد سابقة على المستوى الوطني، حمل في طياته توجهاً جديداً نحو كشف تفاصيل دقيقة تتعلق بأسماء الشركات والأشخاص الذاتيين الذين حصلوا على تراخيص استغلال المقالع، إلى جانب الكميات المستخرجة، ومدة الاستغلال، ونوع المواد التي تم استخراجها. وهو ما يكرس نهج الشفافية ويضع حداً لحالة الاحتكار المعلوماتي التي ميزت القطاع في الماضي.
وتفيد المعطيات الصادرة عن وزارة التجهيز والماء أن المقالع موضوع هذه التصاريح تقع في مناطق تتنوع بين الملك المائي والغابوي، وقد استفادت منها عشرات الشركات التي تنشط في مجالات متعددة، أبرزها البناء والأشغال العمومية. وقد شملت المواد المستخرجة من هذه المقالع مواداً استراتيجية تدخل في صميم مشاريع البنية التحتية، من قبيل “التوفنة”، الحصى، الرمال، الرخام، الجبص، ومواد الردم ورمال الأودية، والكتبان، والرمال الرسوبية.
ومن اللافت في هذه المعطيات أن عدداً من الشركات الواردة في اللوائح المفرج عنها معروفة على الساحة الوطنية، وسبق لها الفوز بصفقات كبرى في مجال بناء الطرق والمرافق العمومية، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام هذه الشركات للضوابط القانونية والبيئية أثناء عملية الاستغلال، ويدفع في اتجاه ضرورة تشديد الرقابة، خاصة أن مدد الاستغلال تراوحت بشكل كبير، حيث سُجلت تراخيص مدتها لا تتعدى الشهرين، وأخرى امتدت لعشرين سنة.
وقد استندت الوزارة في هذا القرار إلى الإطار القانوني المنظم للقطاع، وعلى رأسه القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع، لاسيما المادة 40 التي تنص على ضرورة تعزيز الشفافية والتتبع في مجال استغلال الموارد الطبيعية، كما اعتمدت في تنزيل القرار على المرسوم التطبيقي رقم 2.17.369، والقرار المشترك رقم 128.18 الصادر عن وزارتي التجهيز والداخلية، ما يعكس تنسيقاً بين القطاعات الحكومية بهدف تقنين استغلال المقالع وضبط الفاعلين فيها.
ويأتي هذا التحرك في سياق الجهود الحكومية الرامية إلى إرساء دعائم الحكامة الجيدة في تدبير المجالات ذات الصلة بالتنمية المستدامة، وهو ما أكدته الوزارة في بلاغها، مشددة على أن هذه الخطوة تأتي في إطار تمكين السلطات المحلية، والرأي العام، والمجتمع المدني، من متابعة نشاط المقالع، وتقييم مدى احترام المستغلين لدفاتر التحملات، والشروط القانونية والتنظيمية والبيئية المنصوص عليها.
كما أن هذا القرار من شأنه أن يساهم في تقليص الفجوة المعلوماتية التي طالما أعاقت مشاركة المواطن في مراقبة الشأن البيئي والاقتصادي المحلي، إذ أصبح من الممكن لأي مواطن الاطلاع على لائحة المقالع النشطة والمغلقة، ومعرفة الكميات المستخرجة وأسماء المستغلين، وهو ما يفتح الباب أمام رقابة مجتمعية فعالة قد تساهم في الحد من التجاوزات والاختلالات، خصوصًا تلك المتعلقة بالاستغلال المفرط وغير المرخص.
وفي تعليقهم على هذا القرار، أشاد العديد من المتتبعين للشأن البيئي والاقتصادي بهذه الخطوة النوعية، معتبرين أنها تشكل نقلة في تعاطي الدولة مع أحد أكثر القطاعات حساسية، خاصة في ظل التزايد المطرد لحاجة مشاريع البنية التحتية إلى الموارد المستخرجة من المقالع. وأكد هؤلاء على ضرورة استكمال هذا المسار بنشر تقارير دورية عن مدى احترام المستغلين للضوابط البيئية، وبإشراك المجتمع المدني في عمليات التتبع والمراقبة، وذلك من أجل ضمان استدامة الموارد الطبيعية وتحقيق العدالة المجالية.
وفي ذات السياق، دعت فعاليات مدنية وحقوقية إلى تعميم هذا النوع من المبادرات على قطاعات أخرى، معتبرة أن الشفافية لا يجب أن تكون استثناءً، بل قاعدة في تسيير الشأن العام، كما دعت إلى مراجعة بعض تراخيص الاستغلال طويلة الأمد، والتي قد تتعارض مع المصالح البيئية والمجتمعية المحلية، وتُحدث أضرارًا جسيمة على النظام الإيكولوجي.
وختامًا، يبدو أن وزارة التجهيز والماء، من خلال قرارها هذا، قد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التدبير الرشيد للثروات الطبيعية، قائمة على الشفافية، والمساءلة، والمشاركة المواطِنة، وهو ما من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويُكرس روح المراقبة واليقظة تجاه كل ما يتعلق بالشأن العام وحق المواطن في المعلومة البيئية والاقتصادية.
Post Views: 0




