المجلس الوطني لحقوق الإنسان يقترح أكثر من 100 توصية لتعديل المسطرة الجنائية: نحو عدالة جنائية أكثر إنصافًا وإنسانية
في خطوة تعكس انخراطه الجاد في النقاش العمومي والتشريعي الرامي إلى تحديث منظومة العدالة بالمغرب، قدّم المجلس الوطني لحقوق الإنسان مذكرة شاملة تضم أكثر من 100 توصية تهم مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بتعديل وتتميم القانون رقم 22.01 الخاص بالمسطرة الجنائية.
وتوزعت هذه المذكرة، التي حصل عليها موقع “الأول”، بين 79 توصية خاصة تلامس فصولاً ومقتضيات بعينها ضمن النص التشريعي المقترح، و24 توصية عامة تتناول قضايا استراتيجية وبنيوية تُعنى بمنظومة العدالة ككل، ضمن رؤية حقوقية تروم إحداث تحول نوعي في أسس المحاكمة العادلة.
مرجعيات دستورية ودولية
استندت المذكرة إلى المرجعيات القانونية العليا، وفي مقدمتها دستور المملكة لسنة 2011، الذي يشدد على سمو القانون وضمان الحقوق والحريات، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب.
وقد أكدت الوثيقة على ضرورة مواءمة القانون الجنائي الإجرائي مع هذه الالتزامات الدولية، بما يُعزز مكانة المغرب كدولة تحترم تعهداتها الحقوقية وتضع كرامة المواطن في صلب العملية التشريعية.
أربعة محاور كبرى تؤطر التوصيات
ترتكز التوصيات المقدّمة على أربعة مبادئ أساسية، تُشكل في مجموعها الأرضية الحقوقية التي يقترحها المجلس لتحديث المسطرة الجنائية:
-
تكريس دولة الحق والقانون:
عبر التأكيد على ضرورة إخضاع عمل السلطات القضائية والأمنية لمبدأ المشروعية، وحماية الأفراد من كل تعسف أو انتهاك، سواء في مرحلة التوقيف أو التحقيق أو المحاكمة. -
ضمانات المحاكمة العادلة:
تدعو المذكرة إلى تمكين الموقوفين من الاتصال بمحامٍ منذ لحظة الاعتقال، إلى جانب تقليص مدد الحراسة النظرية، وتوسيع بدائل الاعتقال الاحتياطي، بما يضمن التوازن بين ضرورة التحقيق وحقوق الدفاع. -
التوازن بين أطراف الدعوى العمومية:
يوصي المجلس بتعزيز موقع الدفاع في المسطرة، وتمكينه من الولوج الفوري إلى الملف، واقتراح آليات لتقوية حضور الجمعيات المدنية المعنية بحقوق الإنسان في مسار التقاضي، وخاصة في القضايا التي تمس الفئات الهشة أو قضايا الشأن العام. -
مراعاة الفئات الهشة:
في هذا الإطار، يقترح المجلس وضع آليات خاصة لحماية النساء، والأطفال، وذوي الإعاقة خلال جميع مراحل التقاضي، بما في ذلك توفير الترجمة بلغة الإشارة، وتكييف المسطرة مع خصوصيات كل فئة.
بوعياش: نريد مسطرة جنائية تحترم الكرامة
رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، شددت في تصريحها على أن هذه المذكرة تعبّر عن التزام مؤسسي من المجلس، معتبرة أن تعديل المسطرة الجنائية يجب ألا يكون فقط تمرينًا تقنيًا أو قانونيًا، بل لحظة حقوقية بامتياز تستهدف بناء عدالة جنائية قائمة على الإنصاف.
وقالت بوعياش:
“نطمح إلى مسطرة جنائية تُحترم فيها الكرامة الإنسانية، وتُعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة القضائية، وتسهم في تحقيق الإنصاف وتقوية الأمن القانوني”.
قضايا ذات أولوية في التوصيات
من بين القضايا التي ركزت عليها المذكرة:
-
إقرار إلزامية تسجيل استنطاق المشتبه بهم بالصوت والصورة.
-
حظر اللجوء إلى الاعتراف كوسيلة وحيدة للإدانة.
-
ضمان حضور المحامي في مختلف مراحل التحقيق التمهيدي.
-
التنصيص الصريح على بطلان الإجراءات المتخذة في غياب الدفاع.
-
الحد من السلطات التقديرية للضابطة القضائية في حالات الحراسة النظرية.
-
تقوية الرقابة القضائية على قرارات الاعتقال الاحتياطي.
-
تبسيط مساطر الطعن لفائدة المحكومين.
في أفق تعديل شامل لمنظومة العدالة
وتأتي هذه المذكرة في ظل نقاش وطني واسع حول تعديل المنظومة الجنائية، حيث ينتظر أن يعرف البرلمان في الأسابيع المقبلة جلسات مكثفة لمناقشة مشروع تعديل المسطرة الجنائية، ومشروعي القانون الجنائي والتنظيم القضائي.
ويسعى المجلس الوطني لحقوق الإنسان من خلال هذه المبادرة إلى المساهمة في بلورة نص قانوني متقدم، يقطع مع الممارسات القديمة، ويكرّس دولة القانون والمؤسسات.
وفي انتظار التفاعل الرسمي مع التوصيات، تُعد هذه المذكرة مساهمة محورية في صياغة مقاربة جديدة للعدالة، تجعل من الكرامة والحق في الدفاع ركنًا أساسيًا في العدالة الجنائية.