تقرير صادم يعرّي واقع الأحياء الجامعية: بنية مهترئة، خدمات معدومة، وطلبة في مهبّ الإهمال
فضح تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “ظروف الإقامة في الأحياء الجامعية”، المعروض أمس أمام مجلس النواب، حجم الانهيار البنيوي والوظيفي الذي تعرفه هذه الفضاءات، رغم المليارات التي تُضخ سنويا في ميزانية هذا القطاع، والتي يبدو أنها لا تنعكس إطلاقًا على واقع الطلبة.
التقرير كشف بالملموس عن كارثة حقيقية يعيشها آلاف الطلبة داخل ما يُفترض أن يكون فضاءً للعلم والمعرفة، لكنه تحول في الواقع إلى معتقل مفتوح تنعدم فيه أدنى شروط الحياة الكريمة. فعدد من الأحياء الجامعية تعاني من انهيار خطير في البنية التحتية، وافتقار تام للمرافق الأساسية، بل إن بعضها يقع بعيدًا كل البعد عن الكليات، ما يزيد من معاناة الطلبة في غياب وسائل نقل حضري لائقة.
أمن غائب وتهديدات متكررة
وفيما يُفترض أن تكون الأحياء الجامعية ملاذًا آمنًا للطلبة، أكد التقرير أن الواقع الأمني مرعب، حيث تتكرر حوادث السرقة والتحرش، وتنتشر مظاهر خطيرة كتعاطي المخدرات في غياب شبه تام للرقابة والمراقبة. الطالبات بالخصوص يُواجهن تهديدات حقيقية، وسط تخاذل الجهات المسؤولة عن ضمان حمايتهن.
التحصيل العلمي في مهبّ الريح
التقرير لم يتوقف عند الجانب المعيشي فقط، بل فضح أيضًا الهشاشة البيداغوجية داخل هذه الفضاءات، حيث تفتقر أغلب الأحياء لقاعات المطالعة ومكتبات مهيّأة، ما يدفع الطلبة إلى الهروب من الدراسة ويُعمّق أزمة الهدر الجامعي، في وقت تعرف فيه الأحياء اكتظاظًا خانقًا بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية.
غذاء لا يليق بالبشر وخدمات صحية منعدمة
وفيما يخص التغذية، فالأمر لا يقلّ كارثية، إذ رصد التقرير تدهورًا مريعًا في جودة وكمية الوجبات المقدمة، بينما يشتكي الطلبة في عدد من المدن من غياب تام للخدمات الصحية، مما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع الأمراض دون أي دعم أو تدخل.
كما كشف التقرير عن فوارق صارخة بين الأحياء الجامعية، حيث تستفيد بعض المدن الكبرى من خدمات أفضل نسبيا، بينما تعاني الأحياء في مدن الداخل والتهميش من النسيان التام.
الوزارة تقرّ بالمأساة وتَعِد بالإصلاح
من جهته، لم يُنكر وزير التعليم العالي، عبد العزيز ميداوي، هذه الاختلالات، بل عبّر عن دعمه للتوصيات الصادرة عن التقرير، مؤكدا أن الوزارة واعية بخطورة الوضع، لكنها تصطدم بمجموعة من العراقيل، أبرزها الارتفاع المهول في عدد الطلبة (أكثر من مليون و300 ألف طالب حاليا)، مقابل طاقة استيعابية محدودة للغاية.
الوزير أشار إلى أن الوزارة ستباشر، خلال سنة 2025، إصلاح وتهيئة 11 حيا جامعيا بميزانية قدرها 28 مليون درهم، في إطار إعادة تأهيل أحياء قديمة مثل فاس ووجدة وأكادير، إلى جانب تحسين أنظمة الوقاية والسلامة.
هل هي بداية إصلاح حقيقي أم مجرد مسكنات؟
الميداوي أعلن أيضًا عن اعتماد معايير جودة موحدة في بناء الأحياء الجديدة، ومواصلة العمل على تقليص التفاوت بين الجهات. كما تم تسجيل ارتفاع بنسبة 14% في عدد الأسرة، ليصل عددها في الأحياء الجامعية العمومية إلى أزيد من 60 ألف سرير.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي هذا الإصلاح المحدود لمعالجة أزمة بنيوية عمرها سنوات؟ أم أن واقع الأحياء الجامعية سيبقى شاهدًا على الفشل المزمن في تأمين أبسط حقوق الطلبة؟